أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ٢١

وقد صاحبته هذه النظرة العميقة في كل ما كتب شعرا كان أم نثرا، وأشير بصفة خاصة إلى رائعته المسماة "النشأة المحمدية" التي اتخذ فيها سيرة الرسول العطرة وسيلة لإيقاظ الشعور الإسلامي الصحيح في نفس المسلم منذ صغره، فهو عندما يحدثنا عن أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يحدثنا عنه بأسلوب استعراضي وصفي تقليدي، وإنما هو يلمح إلى أخلاقه العالية ليلفت إليها نظر المسلمين اقتداء وتأسيا.

هذا التوجه هو الذي دفع أبا مسلم لأن يهتم في شعره بالإنسان المسلم في الواقع المعاصر، فعالج بشعره موضوعات حضارية على غاية من الأهمية والعمق والشمولية، فكتب في التاريخ، والحضارة، والعقيدة، واللغة، والشخصيات، والسيرة. واهتم بالجوانب الإنسانية، الجانب الروحي في شعر السلوك، الجانب العقلي في شعر التاريخ، الجانب العاطفي في شعر الحنين والطبيعة، فكان في ذلك يحرك في متلقي شعره كل هذه الأحاسيس التي تربط الإنسان بماضيه من جهة، وتجعله يعيش عصره وواقعه من جهة ثانية.

لذا فإنه من الصعب على الدارس التقليدي الذي ألف منهج التجزئة في دراسة الشعر أن يتوصل إلى تذوق حقيقي لهذا الشاعر، حتى في أبيات الحكمة التي تملأ شعره في جميع أغراضه … إن شعره كل لا يتجزأ؛ لأن له رؤية شمولية تنظر إلى الإنسان المسلم من خلال كل موضوع يعالجه، فقد تبدو لك العقيدة حنينا إلى الوطن، ولكنك عندما تستبطنها وتغوص في أجزائها تجدها استنهاضا وإثارة، وقد تقرأ الأبيات فتحسبها رثاء، ولكنك عندما تتذوق هذا النوع من الرثاء تجده تجليات عميقة ونظرات نافذة في الكون والحياة والناس وهكذا … وقد صدق من قال عنه: "وأنا أعتقد أن شعر أبي مسلم في حقيقته كله جانب