أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ٢٨أما أن نقول القصائد الدينية أو القصائد القومية باعتبارهما موضوعين مستقلين عن بعضهما البعض فذلك ما لا يتماشى مع اتجاه الشاعر ومواقفه ورؤاه.
على أن هذا التقسيم نفسه لا يسلم إطلاقا من التداخل، فقد نجد للشاعر قصيدة في الاستنهاض وفيها الحنين والحكمة، كما نجد له قصيدة في الرثاء وفيها الوعظ والإرشاد وهكذا.
ويغدو الابتهال قسما هاما في ديوان أبي مسلم، ولعله أكبر الفنون التي استقطبت اهتمام الشاعر، استجابة لدافع ذاتي وموضوعي، بحكم ورعه وتقواه وزهده، لا بحكم منصبه قاضيا أو مفتيا، كلا! لأن الإحساس القوي بالامتثال للدين سيرة وسلوكا لا علاقة له بالمنصب أو الوظيفة. ولا أحب أن أوافق على تسمية هذا النوع من الشعر قصائد دينية، أو شعرا دينيا كما يذهب إلى ذلك بعض من كتبوا عنه؛ لأن شعر أبي مسلم كله شعر ديني، الدين سداته ولحمته، والدين مصدره ومورده، والدين باعثه وهدفه، إذ نخشى لو وافقنا على هذا التقسيم أن يظن أنّ لأبي مسلم قصائد دينية وأخرى غير دينية، أو يظن أن بعض الشعر عنده يخلو من الإحساس الديني، فقد يصح هذا المنهج مع غيره من الشعراء الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، أو الذين كتبوا في كل الفنون تلبية لرغبات قد لا تكون ذاتية تصدر عن أحاسيسهم الداخلية، بل هي استجابة لمناسبات ما، كما نجد ذلك عند شوقي وحافظ مثلا.
ولو نحن درسنا شعر أبي مسلم غير هذا النحو من اعتبار الدين عنصرا أساسيا في كل القصائد لأخللنا بالمنهج السليم لدراسة شعر أبي مسلم،
14 - ينظر: د/ أحمد درويش المدخل إلى دراسة الأدب في عمان ص 162. ومقدمة ديوان أبي مسلم للناشر صالح بن عيسى الحارثي، 1986 م، ص 10