أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ٣٢

وكدليل على أن الخيط النفسي الذي يسلك فيه أبو مسلم شعره هو الإيمان بالله أولا وقبل كل شيء ما نراه في قصائده كلها من تفويض الأمر لله في كل نازلة ألمت به، جليلة كانت أم حقيرة، أصابته في نفسه أم ذويه أم أمته، تعلق الأمر بشيء مادي أم معنوي.

فهو طالما رفع أكف الضراعة إلى الله ليجيب دعوته ويحسن حاله وحال أمته، وهو طالما اشتكى سوء حظه وانقطاع حيلته وهوان أمره على الناس؛ ولكنه لم ينس قط أن يعلق أمره كله بالله رب العالمين.

وديوان أبي مسلم مليء بهذه المواقف الإيمانية المشرقة، ولعله من بين القلة من الشعراء الذين أفردوا قصائد مطولة في الابتهال، فقد كتب قصيدة تجاوزت الألف بيت في مناجاة الله مناجاة مبكية خاشعة تسيل رقة وعذوبة، بدأ كل مطلع فيها باسم من أسماء الجلالة، وإذا كانت هذه القصيدة في حاجة إلى وقفة طويلة فلا أقل من أن نستدل بها على ما نقول من هذا المقطع الذي عنوانه: الرحمن جل جلاله، وفيه يرفع الصوت ضارعا خاشعا:

إلهي افتقاري لازم لحقيقتي=إلى رحمة الرحمن في كل لحظة

إلى رحمة الرحمن تحت جماله=أبث اضطراري طارقاتي وشكوتي

إلهي يا رحمن أستعطف الرضا=وأستكشف البلوى وغمي وكربتي

إلهي يا رحمن أستوهب الغنى=ففي سعة الرحمن إلهي غنيتي

إلهي يا رحمن أسأل رحمة=تلم بها صدعي وترحم غربتي

22 - الديوان، ص 40.

23 - خصصنا فصلا خاصا لهذا الفن عند أبي مسلم.