أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ٥

ولئن كان اللسان العربي هيأه القدر الإلهي لأن يكون لسان هذه الرسالة -فكان لغة كتابها المحكم وبيان رسولها الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام- فلا غرو إن أضاف إليه الوحي مآثر لم تكن تذكر فتحول من لسان قومي إلى لسان عالمي، كيف وقد أصبح لسان الدعوة الحق وأمة الإيمان يفتح البصائر على معارف القرآن، ويهدي النفوس البشرية إلى خير الأخرى والأولى، ومن هنا تجلت لنوابغه الإسلاميين مواهب تحار منها الألباب إذا استطاعوا -بفيض من أسرار القرآن وهدي من أنواره- أن يجمعوا بين بلاغة القول، وصدق المعنى، وبعد المرمى، وخصوبة الخيال، ودقة النظر، والغوص في أعماق محيطات المعاني لاقتناص جواهر الحكم، فكان بيانهم زاخرا بالمعارف، مشيدا بالحقائق، تتهذب به النفوس، وتستنير به الأفكار، وترق به المشاعر، كيف والمعارف القرآنية غذّته بروحها، والهداية المصطفوية سقته صفو رحيقها.

ولئن كان التفاوت في كل شيء من سمات البشر التي لا تفارقهم فإن فرسان هذا الميدان هم أيضا في حلبته متفاوتون: فمنهم المجلّي، ومنهم المصليِّ، ومنهم من هو دون ذلك، وإن مما لا يمارى فيه من خبر هذا الفن أن من الذين أحرزوا قصبات السبق في مضماره العلامة الجليل الشاعر المفلق، والباحث المحقق/ أبا مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي، إذ آتاه الله عز وجل موهبة من لدنه ملِّكته نواصي البيان شعرا ونثرا، ومع تنوع مجالاته الشعرية كان في كل منها الفارس المُجَلِّي، فإذا ما انطلق بيعبوبه السباق في أي ميدان لم يكد يبلغ شأوه أو يشق غباره، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالحضرة الإلهية، أم كان فيما يخص مقام جناب المصطفى -عليه أفضل الصلاة والسلام-، أم كان عائدا إلى عقيدة الحق، أم مديحا لأهله الأبرار، أم دعوة إلى وحدة الأمة، أو استنفارا لعزائمها واستنهاضا لهممها، أو رثاء وتأبينا لأعلام إصلاحها، أو حكمة تجلو الحقيقة من خدرها المصون فتبدوا سافرة للناضرين، وهو مع ذلك كله العالم الرباني الذي عبّ إلى أن رَوِيَ من مناهل القرآن وينابيع السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فأشربت روحه وعقله وقلبه ومشاعره صفو الشريعة والحقيقة، وانعكس أثر ذلك على شعره ونثره، فتميزا بروح إيمانية لا يكاد يحس أثرها إلا في بيان من نحا هذا النحو، وشرب من هذا الكأس.