كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤١قال أبو زكريا: إن بقية المسلمين ورؤساء العابدين وكبراء الزاهدين، وجماعة المؤمنين اتفقوا أن يتخيروا موضعا يبنون فيه مدينة لتكون حرزا وحصنا للإسلام فأرسلوا الرواد فطافوا أطراف تلك البلاد فاستحسنوا موضع تيهرت فاتفق رأي المسلمين على بنائها فجعلوا لأهلها خراجا معلوما يأخذونه من غلتها فأمروا مناديا فنادى بأعلى صوته منْ بها من الوحوش أن اخرجوا وارتحلوا فإنا مريدون عمارتها ونازلون بها واجعلوا ثلاثة أيام، قال أبو زكريا: وذكروا أنهم رأوا بها وحشا تحمل أولادها في أفواهها يعني سباعا والله أعلم، وهي خارجة من تلك الأشجار والغياطل، فرغبهم في ذلك فيها وزادهم بصيرة في عمارتها فلما تم الأجل أرسلوا فيها نارا فأحرقت ما ظهر من الأشجار وبقي الأصول والعروق فجعلوا في أطرافها حيسا مدفونا فلما جنّ الليل حفرتها الخنازير لرائحة الحيس فقلعوا جميعه فاقترعوا بين أربع أمكنة أيها يجعلون المسجد الجامع فوقعت قرعتهم على مكان الجامع فاختطوها دورا وقصروا دورا وقصورا وبيوتا، فلما بنوها أنسوا من أنفسهم قوّة فنظروا من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا جماعة كل واحد صالح شجاعة، وعلما وتقى، فاتفق رأيهم على عبد الرحمن لفضله وكونه من حملة العلم، ولكون المسلمين أرادوا تقديمه قبل أبي الخطاب وامتنع لأمانات كانت تحته للناس وودائع ولكونه عامل أبي الخطاب على إفريقية وما والاها ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل فبايعوه على إقامة كتاب الله وسنة رسوله واتباع الخلفاء الراشدين فقبلها على ذلك وأقام بأمر الله وزهد الدنيا بعد أن تمكن منها فلم ينقم أحدٌ عليه في خصومة ولا حكومة ولا أخذ مال ولا إقامة حد ولا ميل إلى الدنيا،لما اشتهر عدله واتصلت أخباره بذلك وتواترت أخباره بالمشرق والمغرب بعث له أله البصرة بثلاثة أحمال فلما بلغت الرسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يطينُها والعبيد يناولونه الطين فسألوا العبيد أن يستأذن