كتاب السير (تحقيق أحمد بن سعود السيابي) أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

كتاب السير - الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨

عن أبي مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكن ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع الآخرة الأولى والآخرة أشر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها، ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقلت: بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنّة، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فابتدأ به الوجع ووجد عائشة تقول: وا رأساه لوجع في رأسي، فقال: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه، ثم قال: وما يضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك، قلت: والله فكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسّم - عليه السلام - فتتامّ به وجعُهُ، وهو يدور على نسائه حتى اشتدّ به وهو في بيت ممونة فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي فأذن له جميعا، قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس، ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتّى دخل بيتي فاشتد به وجعه، قال: أهرقوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى، حتى خرج إلى النماس فأعهد عليهم فأقعناه في مخضب ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم، حسبكم، والمخضب شبه أجانة يغسل فيها كالثور والمدكن، ثم خرج - صلى الله عليه وسلم - عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر فصلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر وفهم أنّ نفسه أراد فقال: بل نحن نفديك

١٨ / ٥٧٦