الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ١٠٤عظام وسابعها مسيو تارديو). هذا الذي سقطت وزارته أخيرًا، وأخفق في مهمَّة تشكيلها (بارتووم لافال)، وبقيت الأزمة كذلك أيّامًا متعدِّدة، ولا سبب في الحقيقة لذلك إلّا محكم الأغراض الشّخصيّة بين الأحزاب.
نحن نعلم أنَّ هناك أسبابًا أخرى لكنّ السّبب الرّئيسي هو الغرض الشّخصي من غير شكّ، وبدون ريب، وهو الذي يجعل الأحزاب تتحيّن الفرص، وتثير هذه الغلطات، وتنتحل الأسباب، وتستثمر الحوادث لفائدتها والقضاء على أضدادها. وقد صرّح حزب (الرّاديكال سوسياليست) لـ (م. لافال) … عند محاولته تشكيل وزارة مشتركة، أنّهم لا يدخلون أبدا ضمن وزارة، يكون أحد أعضائها (م. تارديو)، فأنت ترى أنّهم لا ينفرون من رئاسة مسيو (تارديو) للوزارة فقط، بل يبلغ بهم الغلوّ في ميادينهم الحزبيّة وتمكّن الأغراض من نفوسهم، حتّى لا يقبلوا إسناد وزارة ما إليه، ناسين كلّ مصلحة، معرضين عن كلّ واجب، وليست ذلك فلتة من الفلتات، ولا من النّادر الذي لا حكم له، ولا تبنى عليه قاعدة، بل هو دأبهم وديدنهم. ففي أوائل هذه السّنة فعلوا بوزارة مسيو تارديو نفسه، كفعلهم بها اليوم، وفي الغد سيفعلون بوزارة (م. أستيق)، وهكذا دواليك. أحزاب تتناحر، ووزارات ترتفع وتسقط، وحكومات تهوى وتنقلب، والعامل الأكبر في ذلك كلِّه هو الغرض الشّخصي، وتقديم العاطفة على المصلحة.
قسمًا بالله! أنّه لو وقع شيء من ذلك في وزارة من وزارات الحكومات الشّرقيّة والإسلاميّة أو العربيّة على الخصوص، لسمعت عبارات السّخريّة والازدراء (ترافاي آراب)، و (بيكو)، وغير ذلك من الكلمات الجارحة، تترى من ألسنة المتفرنجين، ومَنْ لا خلاق لهم من غيرهم، فماذا يقول هؤلاء السّادة اليوم في هذه المهازل؟
أربعوا على ضلعكم أيّها السّادة، ولا تسبّوا الشّرق والشّرقيّين، ولا الإسلام والمسلمين، ولا تنسبوا إليهم كلّ نقيصة وعار، ولا إلى الغرب كلّ شرف ومكرمة، فإنّكم بذلك تميتون القلوب، وتخمدون الهمم، وتبعثون اليأس في النّفوس، فإنَّ كلماتكم هذه، إذا كثر دورانها على ألسنة، رسخ مدلولها في القلوب فماتت، وأثّر على الهمم فخمدت، وعلى النّفوس فساءت الظّنّ بكفاءتها ومقدرتها واستعدادها، فأيست واعتقدت أنّها لم تخلق إلّا لتستعبد وتذلّ، فأخلدت إلى السّكون ورضيت بالدّون.
كلّ منكم يعلم أنَّ أوّل أسباب النّجاح إحسان الظّنِّ بالنّفس والثّقة بها،