الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ١٥

بما يليق ويناسب؛ لأنَّ الأخطار محدقة من كلّ جانب، وفي كلِّ مكان … " وإذا كنتم تسيرون انظروا إلى جميع الجهات، غضُّوا الأبصار عن العورات وافتحوها على كلِّ شيء، سيروا في الطَّريق بِتَنَبُّهٍ قويٍّ، كلُّكم أعينٌ ترى، وآذانٌ تسمع، هؤلاء رجال الدّين والدّنيا. "(1)

إنَّ الشِّيخ بيّوض حين يرسل هذا التَّوجيه سنة 1948، يكشف من خلال هذه التّعبئة العامّة وهذا الاستنفار العام عن العداء المستحكم الذي يعانيه الإصلاح، والاضطهاد الذي تقاسي منه الحركة الوطنيّة، والهجوم الذي يتعرَّض له العلماء المصلحون، الذين هم رجال السّياسة في نظر المستعمر، لهذا كانت الرّقابة عليهم مشدّدة، والمضايقات مكثّفة. قال الدّكتور أبو القاسم سعد الله: " … وقد خضع العلماء أثناء الثّلاثينات والأربعينات إلى نفس المعاملة التي خضع لها السّياسيّون من جانب الإدارة الفرنسيّة، التي اعتبرتهم خطرًا على الوجود الفرنسي، كما اعتبرت أولئك، وزجَّت بهم في السُّجون، ووجَّهت إليهم مختلف الاتّهامات، وحكمت عليهم أحكاما قاسية."(2)

من تمام المسؤوليَّة التي يجب أن يتحمّلها الشّباب انتزاعُ قيادة الأمّة والوطن من أيدي الجاهلين، الذين يعرقلون النّهضة والإصلاح، ويقفون حجر عثرة في طريق التّحرًّر الوطني؛ لأنهم يعملون دوما – قصدوا أم لم يقصدوا – على مساعدة العدوِّ في التّمادي في جبروته وظلمه، وإحكام القبضة على البلاد. فأخذُ الشّباب المثقّفِ زمامَ الأمور في الوطن، وانتزاعُها من الجهلة، ينقذ البلاد من الفساد السّياسي ويَدْعَمُ مسيرة الإصلاح. هذا ما يجب أن يعيه الشّباب ويقوم على تنفيذه: " أيّها الشّباب المثقّفون: لقد آن لكم أنْ تنتزعوا قيادة الأمّة من أيدي الجهلة الأميّين والطّلبة الجامدين، فكفانا ما جرَّت عليهم قيادتهم من بلايا ومحن؛ خمودٌ في الفكر، وجمودٌ في العمل، وأَفَنٌ في الرّأي، وجهلٌ مطبق بأساليب الحياة، لقد دفعوا بعربة الأمّة إلى الهاوية، فتداركوها وروح القدس معكم. "(3)

يكشف هذا النّصّ عن المعاناة التي كان يتعرّضُ لها المصلحون في جهادهم الوطني ومسيرتهم الإصلاحيّة، ويُبينُ عن العراقيل التي كانت

(1) - المصدر نفسه.

(2) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 85.

(3) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 204.

١٥ / ١٤١