الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ١٨أحيانا- تهبُّ عليهم من داخل حصونهم وبيوتهم … أمام كلّ هذه المعطيات والأوضاع كان - لابدّ - من سلوك طريق وتبنِّي منهج يُقوِّي في العلماء والعاملين ما كان ضعيفا فيهم، من قلّة الوسائل المادية، ويمنحهم القدرة على مواجهة هذه الأهوال، ويعينهم على العمل من دون وَأْدِ طموحهم وإحباط مشروعاتهم، فكانت سياسة المرونة في التَّحرّك السّياسي إحدى هذه الوسائل، وضمنها يمكن إدراج وسيلة الاتّصالات بمختلف الفئات والأنماط من البشر. الهدف من هذا الأسلوب كان صيانة الحركة الإصلاحيّة ممّا يسيء إليها؛ ليجد المصلحون الفرصة للعمل. قال الشّيخ بيّوض عن الذين قصرت مداركهم عن تقبّل هذا الأسلوب: " يعيبون علينا الاتّصال بالحكّام، والقيام عندهم بالمطالبة بحقوق الأمّة، والدّفاع عن الإصلاح والمصلحين، هذه الأعمال التي تقصر عنها همم منتقدينا الجامدين، وغاب عنهم أنّنا بهذه الوسائل وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وتقدَّمنا إلى غايتنا مسافات شاسعة في وقت الحرب الضّروس العالميّة، التي امتنع فيها كلّ شيء، وأعلنت فيه القوانين العرفيّة، في وقت حوربنا فيه، وحورب الإصلاح من كلّ النّواحي وبكلّ سلاح ومن كلّ عدوّ … ولولا هذه الاتّصالات لسدَّت أمامنا أبواب العمل، ولقيِّدنا ومُنِعنا من كلِّ حركة، ولرقدنا منذ زمن طويل؛ لأنَّ هؤلاء الأعداء يحاربوننا بسلاح الحكومة، فكانت ضدَّنا منذ زمن قديم … "(1)
هذا المسلك كانت تسلكه جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، كانت تغيّر في سيرها حسب الظُّروف والعوامل – من دون التّخلِّي عن مبادئها- وتتكيَّف مع الأوضاع في سبيل الوصول إلى أهدافها، التي مِنْ أسماها تحرير الوطن. وهي سياسة حكيمة ورشيدة؛ رغم ما يتفوَّه به بعض قليلي الإدراك، وناقصي التّجربة، ومرضى القلوب، ولم تُؤتَ الأمَّة إلَّا من الجاهلين بأساليب التَّسيير وضوابط التَّوجيه، وكم عرقل العاملين عدمُ تفهُّم الجاهلين نوايا المصلحين، بل نالهم من حسدهم وكيدهم أذى كبير. قال سعد الله: " كانت الجمعيّة في سيرها تمشي على حبل رقيق، فهي تأمل وتحتجُّ، تسخط على إدارة فرنسا في الجزائر وتثق في ديمقراطيّة فرنسا في أوروبا، وتطالب بالحريّة والاستقلال للجزائر، ولكن عن طريق فرنسا، وتثور على رجال الدّين الذين تستعملهم فرنسا وتدعو إلى وَحدة رجال الدّين، ولو كانوا
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 150، 151.