الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ١٩من المحافظين الموالين لفرنسا، وتحذِّر النُّوَّاب والنُّخبة من مغبَّة الاندماج، والمطالبة بالمساواة في الحقوق، وتستنجد بهم ضدَّ منع الإدارة صحفَها وعلماءَها ومساجدَها من ممارسة نشاطها … ولعلَّ هذا (التّكتيك) هو الذي جعل الجمعيّة أحيانا محلَّ نقد ممّن لم يفهموا حقيقة خطَّتها … "(1)
يقول د. صالح، ابن دريسو: " كان الشّيخ بيّوض من الشّخصيّات التي وضعتها الإدارة الفرنسيّة تحت مجهر الرّقابة، وذلك -كما أشرنا- منذ أوائل الثّلاثينيّات.(2) فجميع تحرّكاته كانت مد وّنة لدى المخابرات. 27 لكن هذه المرّة، وبحكم تجربته المريرة، وبفضل خبرته، وتقدّ مه في السّنّ، أخذ حذره ليضمن جوانبه من عيون السّلطات. وكان لا يُظهر على أسراره و أموره إلّا من اصطفى من تلاميذه وأقرانه، ولم يكن مخطئا في ذلك، خاصّة إذا علمنا أنّ معظم الخلايا التي كُشف أمرها وقضي عليها، كان بفعل الوشايات أو الاعترافات أو تصفية حسابات، كما تبيّنه التّقارير. وكان لا يتردّد، كلما دعت المصلحة، في مداهنة الإدارة الفرنسيّة بدافع الحيطة والتّقيّة، ولأجل التّموية والتّضليل ودفع الشّبهات. وذلك امتثالا لقوله تعالى ﴿لا يَتَّخِذ المُومِنُونَ الكَافرِينَ أوْليَّاءَ مِنْ دونِ المُومنِينَ ومَنْ يفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إلّا أَنْ َتتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ويُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ وَإٍلَى اللهِ المَصٍيرُ﴾.) سورة آل عمران 28.). لكن، ورغم كلّ ما تحصّن به من الحيطة والحذر، كانت التّقارير تترصّده في معظم تحرّكاته بحكم مكانته وبفعل "سوابقه".
وسياسة الشّيخ بيّوض الثّورية أثناء حرب التّحرير، يلخّصها تقرير مخابراتي في غاية الأهميّة، في سنة 1957، فيما يلي: "
(1) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 88، 89.
(2) - نورد نموذجًا من هذه التّقارير، كما سجّلها الدّكتور محمد بن موسى بابا عمِّي: فالوثيقة الأولى وقّعها القائد بالملحق العسكري بغرداية (فيقورو Vigourous ) مؤرّخة في 01 أكتوبر 1934م، مرسلة إلى القائد العام، يخبره فيها أنّ الشّيخ بيّوض غادر القرارة لمدّة شهرين، وهو يتنقّل بين مدن التّلّ، يجمع الشّباب الميزابي، وبنشر بينهم مبادئ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ويحرّضهم على الانخراط فيها. وهو – كما يقال – (حاليًّا في العاصمة يحاول أن ينظِّمَ زيارة لوفد من الجمعيّة إلى ميزاب). ثمّ يردِّدُ فيقورو محذِّرًا: (لا يخفى خطر ُ مثل هذا العمل، الذي يجب أن يُمنَع، وأوّل خطوة هي الوقوف أمام الوفد، حتّى لا يذهب إلى ميزاب، ومثل هذا يسيرٌ على السّلطات الفرنسيّة في العاصمة) " (الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 132). وكانت تنقّلاته مسجّلة بدقّة وتفصيل في التّقارير العسكريّة السّريّة …