الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٢٤لرفع الرّاية(1)
ماساعده على التّكوُّن السّياسي - أيضًا - ما منحه الله - عز وجل - من ذكاء وقدرة على تحليل هذه الأحداث والنّفاذ إلى أعماقها، ثمّ الوقوف على حقيقة مسارها، ومعرفة الأهداف المسطّرة لتحقيقها من خلالها، بعد فقهِ مدلولاتها التي تخفى على الإنسان البسيط.
عُرِف عنه كلُّ هذا وهو لا يزال شابًّا مراهقًا غضَّ الإهاب، يتلقَّى العلم في المدرسة، ويتطلَّع إلى تثقيف نفسه وصقل مواهبه وإغناء تجربته.
هذا الاستعداد الفطري وهذه الموهبة حملاه على القراءة للزّعماء السّياسيّين، والمحنّكين في المجال الاجتماعي، يغرف من تجاربهم، ويُفيد من تحليلاتهم واستنباطاتهم، ويتعلّم من مواقفهم، ليسير على هدى مخطّطاتهم، ووَفقَ توجيهاتهم السّياسيّة.
قرأ للشّيخ عبد الرّحمن الكواكبي كتابيه (طبائع الاستبداد) و (أمّ القرى). قال الشّيخ بيّوض: " … وكنت أحفظ الكثير ممّا كتبه الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد من كثرة قراءتي له وإمعان النّظر فيه، وكنّا نقاسي الحكم العسكري الفرنسي وجبروته وظلمه، فوجدنا هذا الكتاب يعبّر عماّ في نفوسنا، وينفِّس عن صدورنا المكظومة، ويصف ما نراه ونقاسيه، فكان إقبالنا عليه عظيمًا، وفهمنا له عميقًا، وكذلك كتابه أمّ القرى. "(2)
كما قرأ لمصطفى كامل، وبخاصّة تاريخه الذي جمعه أخوه فهمي كامل، وهو يقع في ثمانيّة أجزاء، وقد تأثّر الشّيخ بيّوض كثيرا بالجزأين السّابع والثّامن، اللّذين نُشِرا بقلم مصطفى كامل نفسه، وعنوانهما (المسألة الشّرقيّة). يقول الشّيخ: " قرأنا هذا الكتاب كلّه بأجزائه الثّمانيّة في ندوة القراءة(3) وأَعدتُ أنا قراءتها، فدرستها في إمعان وتدبُّر، فأفادني فائدة عظمى، وزاد لحماسي للإصلاح والنّهضة تأجُّجًا، وعرفت من الجزء
(1) - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975)، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) سنة 1976، ص: 182. الحاج عمر بن يحيى (ت: 1921): أحد زعماء الإصلاح في القرارة، وأحد أساتذة الشّيخ بيوض. الحاج بكير العنق (ت: 1934): أحد المصلحين في القرارة وأحد الدّهاة السّياسيّين فيها، كان يلقبه الحاج عمر بن يحيى (أسد القرارة).
(2) - المصدر السّابق، ص: 160.
(3) - ندوة القراءة، أو ندوة المطالعة، أنشأها الشّيخ الحاج عمر بن يحيى، كان موعدها ليلة الجمعة من كلّ أسبوع. هي مخصصّة لقراءة بعض الكتب والجرائد والمجلّات التي تصل إلى الشّيخ الحاج عمر، مما يعدُّ من ثمرات المطابع الجديدة.