الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٢٦انتقل هذا الهوى إلى صدى يحكي أعمال هؤلاء الزّعماء السّياسيّين، ويترجم عن شدّة التَّحمُّس لأقوالهم إلى العمل في الميدان. ما ظهر قويًّا وفعّالا بعد ذلك في جهاده الوطني ونضاله السّياسي ..
إنَّ هذا التّكوُّن السّياسي المبكّر أفاد الشّيخ بيّوض فائدة كبيرة، فهو الذي مكّنه من أن يخوض الميادين التي وُجد فيها، أو تقدَّم إليها بثقة كبيرة، وهو مزوَّد بكفاية عالية، وعُدَّة معتبرة، ساعدتاه على حذق اللَّغة الدّبلوماسيّة، وإتقان اللُّعبة السّياسيّة، وإجادة الأساليب المناسبة في المواجهة.
نتيجة لذلك كان يعيي جيّدا قاعدة الصَّلابة في المبادئ والمرونة في التّطبيق، وكان يفقه معنى الموقف السّياسي وحقيقة التّحرّك الدّبلوماسي، وكان يمارس ما يسمَّى بالاستراتيجيّة في العمل، و يجيد ما يعرف بالمراوغة السّياسيّة … إلى غير ذلك ممّا يتطلّبه الجهاد والصّراع والقراع والنّزال، ممّا يخفى على الإنسان ناقص التّجربة، وغير المُكَوَّن سياسيًّا، وصاحب الفهم الضّيّق، والإدراك المحدود، وصاحب الأهواء والنّزعات السّيِّئة، ومن قد يؤوِّل بعض المواقف، ويفسِّر بعض التَّصرُّفات تفسيرًا خاطئًا، لا يمتُّ إلى السّياسة بصلة، ولا يتَّصل بالوطنيّة بسبب .. ما يؤدِّي به إلى ارتكاب أخطاء فادحة في حقِّ من أسيء فهمُ حقيقة تحرُّكاته .. فالتّكوين السّياسي له دوره في ترشيد عمل أيّ شخص وتوجيه نضاله.
بفضل العوامل سالفة الذّكر، ونتيجة بُدُوِّ بُزوغ نجم الشّيخ بيّوض السّياسي، صار واحدا من الذين يعوَّل عليهم في ميدان الكفاح الشَّاق المرير الطّويل، بل أصبح ركنًا أصيلًا من أركان الإصلاح في القرارة وهو ابن العشرين عامًا، يؤازر كفاح شيخه الحاج عمر بن يحيى والحاج بكير العنق وغيرهما.(1)
أثمر هذا التّكوين السّياسي، وهذه التّربية الوطنيّة سريعًا، إذ دشّن الشّيخ بيّوض عمله الوطني بكتابة لائحة أو رسالة إلى الحكّام العسكريّين في مدينة غرداية سنة 1919م، يعارض فيها فكرة تجنيد الشّباب الإجباري(2)، ويفضح فيها ما كانت تقوم به فرنسا لإجهاض النّهضة والقضاء على الإصلاح، وحرمان المجتمع والأمّة من هؤلاء الشّباب، عمادِها في مسيرتها؛ بسبب تجنيدهم في صفوف الجيش الفرنسي، مع ما في ذلك من