الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٢٧مخالفة للدين ومحاربة له.(1)
لقد كانت الفترة التي بدأ فيها الشّيخ بيّوض تحرّكاته عصيبة وحرجة: "فالأبناء مجنَّدون، وكثير من الآباء مقيّدون بالسّلاسل والحبال تحت سور القرارة، ثمّ سيقوا إلى غرداية على أرجلهم؛ لأنّهم احتجُّوا وتظاهروا أمام الحكَّام العسكريِّين ضدَّ التَّجنيد الإجباري … أصبحت القرارة بعد هذا الحادث كلَّها في مأتم، وكان زعيم الكفاح الحاج بكير العنق ومعه السّيّد حمو بن إبراهيم أبو العلا، من زعماء الكفاح في السّجن … "(2)
وسط هذا الجوِّ الرَّهيب المشحون بالتَّهديد والتّنكيل والقمع، وفي هذا المحيط الذي أُبعِد عنه مسؤولوه، وحيل بينهم وبين من يتعلَّقون بهم لإنقاذهم وتوجيههم، يتحمَّل ابن العشرين حِجَّة مسؤوليّتَة، التي لم يرجحها إليها أحد، ولم يعلِّقها في عنقه سوى ضميره، ولم ترفعها إليه غيرُ مؤهِّلاته وتكوينه. قام الشِّيخ بيّوض فرفع صوته الوطني إلى من يخنقون كلَّ صوت يرتفع وينادي مطالبا بحقوقه، ويستقبلون كلَّ رعشة شعوريّة وطنيّة بالوأد، ويقابلون بالقهر والاضطهاد كلَّ وطني يتّقد حماسة وغيرة على وطنه.(3)
تحرّك الفتى الشّاب، فكتب شكاية، يعارض فيها هذا الإجراء التّعسُّفي. قال الشّيخ بيّوض: " فشمّرتُ أنا للعمل، وأصبحت أكتب شكاية حارَّة قويَّة اللّهجة إلى الولاية العامّة والحكومة العسكريّة في الجنوب باسم البلدة، أصف فيها ما حلَّ بها وأَحتجّ … وقد تأثّرت الولاية العامّة بهذه الشّكاية، ولعلّها أوّل شكاية عملت ما يريد المصلحون، واهتزّ لها الحكّام العسكريّون الطّغاة في غرداية والأغواط وأذنابهم."(4)
هذا موقف جريء يقفه الشّيخ بيّوض ضدّ المستعمر –وهو شابٌّ يافع-ليعلن حربًا لا هوادة فيها معه. لقد أصبح من ذلك الوقت حاضرًا في كلِّ موقع، يحتاج إلى مقارعة ومنازلة سياسيّة، وفي كلّ موطن يتطلَّب موقفًا وطنيًّا صريحًا من بعض القضايا، أو التّصرّفات التي تسيء إلى سمعة الوطن، أو تنال من وطنيّة الشّعب.
(1) - بل كان الاستعمار يعمد إلى أخذ أبناء المصلحين انتقاما من الإصلاح، ويختار طلبة العلم؛ لعرقلة مسيرة التّعليم.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 184.
(3) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 41 وما بعدها.
(4) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 184، 185.