الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٢٩

منحصرين في شعب من الشّعوب، ففرنسا نفسها تعيش ما نسبتها للمسلمين. وللتّدليل على ذلك، ولأخذ العبرة من هذه التّصرّفات أعطى مثلًا بالأزمة الفرنسيّة، التي تسبّب فيها التّخلِّي عن الأدب الرّفيع الذي تدّعيه فرنسا، والخروجُ عن أخلاقيّات السّيادة والتّسيير، والتّنصّلُ من شعار (المصلحة فوق العاطفة): " … وهكذا دواليك، أحزاب تتناحر، ووزارات ترتفع وتسقط، وحكومات تهوي وتنقلب، والعامل الأكبر في ذلك كلِّه هو الغرض الشَّخصي، وتقديم العاطفة على المصلحة، قسمًا بالله!!! إنَّه لو وقع شيء

ذلك في وزارة من وزارات الحكومات الشّرقيّة أو الإسلاميّة أو العربيّة على الخصوص لسمعت عبارات السّخريّة والازدراء و (ترافاي آراب) و (بيكو) وغير ذلك من الكلمات الجارحة تترى على ألسنة المتفرنجين، فماذا يقول هؤلاء السّادة اليوم في هذه المهازل."(1)

ثمّ وجّه الشّيخ نداء إلى كلّ الغيورين على كرامتهم، والمشفقين على وطنهم أنْ يحذروا هذه المزالق، وأنْ يعملوا على مساعدة إخوانهم في النّهوض وإعانة وطنهم على التّحرّر، وأنْ يتجنَّبوا ما يفضي إلى تحطيم معنويّاتهم والفتِّ في عضدهم، وذلك بزرع الأمل في نفوسهم، وإبعاد أخلاق (رذائل) اليأس والقنوط والفشل والاستسلام عن طريقهم ..

" … ولا تسبُّوا الشّرق والشّرقيّين، ولا الإسلام ولا المسلمين، ولا تنسبوا إليهم كلَّ نقيصة وعار، ولا إلى الغرب كلَّ شرف ومكرمة، فإنَّكم بذلك تميتون القلوب، وتخمدون الهمم، وتبعثون اليأس في النُّفوس، فإنَّ كلماتكم هذه إذا كثر دورانها على الألسنة رسخ مدلولها في القلوب فماتت، وأثَّر على الهمم فخمدت، وعلى النّفوس فأساءت الظّنَّ بكفاءتها ومقدرتها واستعدادها فأيست، واعتقدت أنَّها لم تخلق إلَّا لتستبعد وتُذلَّ، فأخلدت إلى السُّكون، ورضيت بالدّون. "(2)

إنَّ الشّيخ بيّوض كان حريصًا على بعث الثّقة في نفوس الوطنيّين، وإشعارهم بأنَّ لهم القدرة على صدِّ القاهر المعتدي. ومن خلال هذا الهمسِ يسعى إلى إزالة خرافة التّفوُّق الفرنسي؛ لهذا لم يقبل حتّى النّطق بالكلمات التي قد تؤثِّر في النّفوس، فتقف حجر عثرة في طريق بنائها، خاصّة وأنَّ سنة 1930 – التي نشر فيها المقال – كانت محطّة مهمّة للمستعمر الفرنسي، وقد

(1) - المصدر نفسه.

(2) - المصدر نفسه.

٢٩ / ١٤١