الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٣٠حاول فيها التّأكيد على تفوّقه، وإصراره على البقاء في الجزائر، وذلك باحتفاله بالذّكرى المئويّة لاحتلالها.
كان الشّيخ يرمي من خلال ما كتبه في الموضوع إلى تنوير عقول الشّباب، وإيقافهم على حقيقة ما هم مقدمون عليه، وبيان عاقبة ما هم مستمسكون به، وبعدها الكشف عن مخطَّطات الاستعمار ونواياه الخبيثة في القضاء على الشّخصيّة الإسلاميّة. وهو ما اتّسمت به فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين، الذي تفصح عنه المقاومة الشّديدة والدّؤوبة التي أبداها المصلحون، والكتّاب والشّعراء ضدَّ مؤامرات العدوّ .. هذه المقاومة الكبيرة أدخلتهم في صراع عنيف معه(1)
إنَّ هذه الخواطر تندرج في صميم الموقف السّياسي الوطني ضدَّ الممارسات الاستعماريّة. إذ هي ردّ فعل جريء لسياسة فرنسا العدوانيّة الصّليبيّة، التي تهدف إلى الهيمنة والسّيطرة الكليّة والأبديّة على الجزائر. فهي تَحَدٍّ شجاعٌ لإدارة فرنسا في تصميمها على حملِ الجزائريّين على الاستسلام وقبول الأمر الواقع ..
دليلنا على ما ذهبنا إليه هو ما صرَّح به المؤرخ (ديبارميه)، بعد أن اطَّلع على مقال الشّيخ بيّوض سالف الذِّكر، فقد وقف عنده طويلا، يحلِّلُه ويقيس ما فيه من تطوّر وتقدّم في الوطنيّة لدى الوطنيّين، وما فيه من إصرار على مواجهة فرنسا وتحدّيها، خاصّة وأنَّ مقال الشّيخ بيّوض كان قد صدر بعد أشهر من احتفال الاستعمار بالذّكرى المئويّة لاحتلال الجزائر. وتعليق (ديبارميه) جاء بعد ردِّ فعل صارخ من أبناء الجزائر على هذا المشهد أو الموقف الاستفزازي؛ تمثَّل في تأسيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين.(2)
استوقفت هذا المؤرّخَ طويلا عبارةُ (يسبّحون بحمد أوروبا). قال الدّكتور محمد ناصر: " وعدَّ (ديبارميه) هذا المقال بمثابة دعوة صريحة من كاتبها للمسلمين الجزائريّين ليحوِّلوا وجوههم عن الأفق الغربي إلى الأفق المشرقي، وذهب إلى أنَّ هذا المقال إنّما هو أثر من آثار التّطوّر الفكري الذي صحب الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة على عتبة الثّلاثينيّات ردًّا على
(1) - ينظر على سبيل المثال أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3. في الكتاب تفاصيل عمّا حدث في فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين ..
(2) - ينظر مجلّة (إفريقيا الفرنسيّة) ماي 1933، ص: 267.