الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٣٢فلسطين".
انتقل الشّيخ - بعد ذلك - إلى الحديث عن المحنة التي ابتلي بها العرب؛ إنّها معضلة فلسطين التي قال عنها: " ولم يمرَّ على جامعة دولهم يوم أصعب من هذا اليوم، تحالف ضدَّهم المختلفون، وتصادق ضدَّهم المتعادون، وتألَّبت عليهم قوى الشّرِّ، من الشّرق والغرب."
أشار الشّيخ إلى هذه القضيّة وأوضح المخاطر التي تنجم عن سياسة الصّليبيّين الحقودين على الإسلام؛ ليمدَّ أبناءه بشحنة من الوطنيّة قويّة، وليوضّح لهم أنَّ سياسة فرنسا في الجزائر هي السّياسة نفسها التي ينتهجها أعداء الإسلام في فلسطين وغيرها، وهي محاربة الدّين.
في هذا المجال لم ينس أنْ يتعرّض إلى قضيّة مستعمرات إيطاليا، التي منها طرابلس الغرب. عرض موقف بعض الدّول التي كشفت عن عدائها السّافر للإسلام والمسلمين، ونيّتها المبيّتة في القضاء على الوجود الإسلامي، قال الشّيخ بيّوض: " والظّاهرة التي نسجِّلها هنا - بكلّ أسف - هي موقف الدّول التي كانت بالأمس القريب ألدَّ أعداء إيطاليا، حتّى فرنسا التي لم تتورَّع عن ضربها بخنجر من وراء ظهرها في ساعة محنتها القاسية، أصبحت تدعو إلى ردَّ ليبيا إلى إيطاليا."
لم يَفُت الشّيخَ –في هذا المقام - أنْ ينبِّه أبناءَه إلى أمر مهمٍّ، يوقظ به الحسَّ السّياسي فيهم؛ وهو عدم الاطمئنان والوثوق بما يفوه به المستعمر، فهو مراوغ مخادع .. يريد أنْ يقول لهم: حذار أنْ يُمَرِّرَ علينا المحتلُّ مؤامراته ببعض عناوين وكلمات يُموِّه بها علينا، فيحقِّق أهدافه بعد أنْ يغتال وطنيّتنا وإباءنا وإرادتنا.
أشار إلى خطورة هذا المسلك قائلا: " ولا ننخدع بالعناوين الخادعة؛ كالانتداب والوصاية، فإنّها ليست إلّا الاستعمار في أبشع وأفظع صوره، وما ذاك إلَّا مخافة أنْ تسري العدوى من هذا القطر - إذا تحرَّر- إلى جارته القريبة، فالجزائر فالمغرب الأقصى.
ومهما يكن فإنَّ شمال إفريقيا سيتأثَّر إلى حدٍّ بعيد بالوضع الجديد، الذي يفرض على القطر اللّيبي. هذا كلُّه بدء انقلاب، سينالنا منه حظٌّ كبير، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرٌّ."
هكذا يخاطب الشّيخ بيّوض أبناءَه ويعلِّم تلاميذه دروسًا في الوطنيّة، ويرهف حسَّهم السِّياسي، ويُنمِّي فيهم شعورهم الوطني، ويشحذ عزائمهم