الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٣٣للقيام بواجباتهم .. أوّل هذه الواجبات هو التّفطُّن لدسائس المستعمر الغاشم، وكشف مؤامراته وعدم الاطمئنان إلى مخطَّطاته؛ فإنَّ ملّة الكفر واحدة، فالمحتلُّ - أبدا - لا يريد الخير للمسلمين.
نتيجة لتكوين الشّيخ بيّوض السّياسي، والنّظرة البعيدة المعمَّقة التي يرى بها الأمور، ويحلِّل بها الأحداث، والنّيّة الحسنة التي يتوفّر عليها، وهي تحرير الجزائر من براثن الاستعمار، ونتيجة للمرونة التي يتحلَّى بها السّياسي المحنَّك، أبدى رأيه في المجلس الجزائري، الذي أنشأته فرنسا بموجب الدّستور الجزائري المزعوم، وهو بذلك يقدّم لأبنائه - الذين كان يوصيهم ويربّيهم تربية سياسيَّة - مثالا يحتذى به في التّحرّك السّياسي والعمل الوطني، واستغلال الفرص في خدمة الدّين والوطن.
قدَّم تصوُّره لما يمكن أنْ يقوم به هذا المجلس، وما عساه أنْ يقدِّمه المواطنون لوطنهم من خلال اشتراكهم في هذا المجلس. قال: " ولأنتقل بكم إلى ما هو أقرب من جميع ذلك. هذا الدّستور الذي وضعته فرنسا للجزائر، وأنشأت به هذا المجلس الجزائري، ووضعت به الجزائر في وضع جديد، له حسناته وسيّئاته، هو بدء انقلاب كبير، وهو خطوة أولى في طريق تطوُّر الجزائر إلى أوضاع مختلفة متتالية، ستجتازها البلاد حتما قبل أنْ تصل إلى غايتها. إنَّ لهذا المجلس –رغم عيوبه الكثيرة- خطرًا وأثرًا، ولا أدلَّ على خطره ممّا ارتكبته الإدارة لإقحام صنائعها فيه، لو وَجَدَ رجالاً أكفاء مخلصين لخدموا به البلاد خدمة جُلَّى."
إذن - رغم ضعف هذا المجلس واستفادة فرنسا منه أكثر من الوطن الجزائري - فإنَّ الشّيخ بيّوض يرى ضرورة التّرشُّح إليه؛ للدّفاع عن حقوق الجزائريّين، وعرض مطالبهم بطريقة رسميّة وقانونيّة، فالغياب عن مكان اتّخاذ القرار ومناقشة مستقبل البلاد خطأٌ سياسي فادح وخطل في الرَّأي فظيع.
هكذا يقدِّم لأبنائه درسًا آخر في السّياسة، يجعلهم دائمًا في واجهة الأحداث وفي ميدان المقارعة والمناوأة والمناورة والمقارعة … يقلقون المستعمر؛ حين يكونون قريبين منه، وحين يكونون على دراية من تحرّكاته ومناوراته:
" … إنَّ لنا خصومًا أقويّاء من ذوي السّلطان، وضعت الأقدار مقدّراتنا بين أيديهم، فعلينا أنْ نعلم أنَّنا لا ننال منهم شيئًا إلَّا بالحكمة والتّبصر