الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٣٤

والأناة والدّبلوماسيّة والمرونة السياسيّة، وعلينا أنْ نعلم أنَّ سياسة (زُمَّ حقائبَك واخْرُجْ) سياسة خرقاء غير رشيدة، إنَّ أوانها لم يحن بعد، وأنَّ سياسة الانزواء والانكماش (وإننا نريد أن نبقى على ما نحن عليه في كلِّ شيء) سفه في العقل وأفن في الرَّأي."

هذه المرونة السّياسيّة والدّيبلوماسيّة وأسلوب المناورة والاستغفال لاسترجاع الحقِّ المغصوب، واتّباع سبيل الغاية تبرِّرُ الوسيلة في انتزاع ما سلب وما أخذ .. هذه الأساليب التي تبنَّاها الشّيخ إبراهيم بيّوض سنة 1948 – وفي كثير من المواقف الحرجة - والتي فرضتها ظروف خاصَّة، هي نفسها التي أملت على الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس أنْ يقول سنة 1925: " … وإنَّ الأمّة الجزائريّة أمّة ضعيفة ومتأخِّرة، فترى من ضرورتها الحيويَّة أنْ تكون في كنف أمّة قويَّة عادلة متمدّنة لترقيِّها في سلَّم المدنيَّة، وترى هذا في فرنسا التي ربطتها بها روابط المصلحة والوداد، ولا نرفع مطالبنا إلَّا إليها، ولا نستعين عليها إلَّا بالمنصفين من أبنائها. "(1)

بل إنَّ جريدة الشّهاب - التي كانت تمثِّل وجهة نظر الشّيخ ابن باديس الشّخصيّة - كانت تشتمل على الكثير من الولاء، من باب المجاملة والمداراة والمراوغة السّياسيّة. قد ينظر إليها غير المعاصرين له، ولما كان يجري في السّاحة السّياسيّة، ينظرون إليها نظرة مريبة، على أنّها مفرطة في المجاملة. من ذلك نشرها لصور الوالي العام وتهنئته وتعزيته، ووصف بعض رجال الإدارة بالعلم والخبرة ونحو ذلك … "(2)

إنَّ الدّوافع إلى سلوك هذا المسلك تتمثَّلُ في صعوبة اتّباع العلماء المصلحين سياسة مكشوفة في جهادهم، وتبنِّي أساليب واضحة في تحرّكاتهم؛ للظّروف العصيبة التي تحيط بهم، وكثرة الأعداء الذين يتربّصون بهم الدّوائر. فهناك - بالإضافة إلى الإدارة الفرنسيّة - المرابطون والنّخبة والنّواب –أحيانا- والمبشِّرون؛ لأنَّ العلماء كانوا في جهادهم – في هذه الفترة- يحاربون الشّعوذة والبدع، ويدعون إلى نصرة اللَّغة العربيّة، ويقفون ضدَّ

(1) - جريدة الشّهاب (قسنطينة)، الجزائر، العدد الأوّل، يوم 02/ 07/ 1925.

(2) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 90. من ذلك أيضا نشر صورة (بيير بورد) الوالي العام مع التّعزية الحارّة بمناسبة فيضانات حدثت في فرنسا، ودعوة الجزائر للتّبرّع لذلك الغرض، ينظر الشّهاب، أفريل 1930، ص: 176 - 178. وفي عدد نوفمبر من المجلّة نفسها صورة الوالي الجديد السّيّد كارد مع تهنئته والحديث عن مزاياه باعتباره رجلا جزائريًّا قسنطينيًّا ولد بها سنة 1874.

٣٤ / ١٤١