الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٣٥

التّجنيس … وبالجملة كانوا يدعون إلى الإصلاح الإسلامي الذي تحاربه فرنسا(1).

إلى جانب كلّ ذلك لم يكن العلماء في مستوى المواجهة العلنيّة. يقول أبو القاسم سعد الله: " … ومن هنا يتّضح أنَّ موقف العلماء لم يكن سهلًا، فقد كانوا يمشون على البيض كما يقول المثل الأجنبي، فهم من جهة كانوا يريدون تحقيق مبادئهم وأهدافهم بأيّة وسيلة مشروعة، ومن جهة أخرى كانوا واقعين تحت طائلة إجراءات استثنائيّة مستعدَّة لعرقلة سيرهم، بل لوضعهم في قفص الاتّهام، لذلك كانوا يناورون ما وسعتهم المناورة ويجاملون، ولكنَّهم لا يتنازلون عن مبادئهم، ومن أجل ذلك اصطدموا مرّات بالإدارة. "(2)

لهذه الأسباب ولتلك العوامل قال الشّيخ بيّوض، مبيِّنًا السِّياسة الرّشيدة التي يجب اتّباعها من المتغطرس الذي لا يرحم، ولا يعترف بالحقِّ المغصوب والحريّة المسلوبة - إذ النّيَّة صادقة لتحقيق الأهداف -: " … لو كنَّا حصفاء حكماء لسلكنا مع المتحكِّمين من ذوي السّلطات سياسة المراوغة واللَّفِّ والدَّوران، وأعملنا موازين القسط من العقول الرَّاجحة، فعرفنا خير الخيرَيْن وشرَّ الشَّرَّيْن، ودفعنا الأثقل بالأخف، وقنعنا بالبعض إنْ تيقنَّا أنَّ الكلُّ ذاهب، فلا المقاومة المطلقة العنيدة، ولا الاستسلام المطلق المخزي بمفيدنا في سياستنا مع المتسلِّط القويِّ، لكنَّ التَّبصُّر وحسن التَّصرف، والمرونة السّياسيّة، وحسن استغلال الظّروف والأشخاص والمناسبات، هي أحكم سياسة للضّعيف الأعزل مع القويّ المدجّج. "(3)

إذن بفضل هذه السّياسة الحكيمة تمكَّن الشّيخ بيّوض وزملاؤه من العلماء العاملين المخلصين تحقيق كثير من المآرب، وبلوغ الكثير من الأهداف، وبفضل هذا التَّكوين السِّياسي العالي، استطاع المجاهدون الحقيقيُّون التَّفريق بين المقاومة المطلقة العنيدة، التي لا تراعي الظّروف والملابسات والمعطيات، وبين الاستسلام الذي تدفع إليه الظّروف، عند

(1) - ينظر الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 92 وما بعدها.

(2) - المصدر السّابق، ص: 91.

(3) - نهضة الجزائر الحديثة … ، ج3، ص: 200،199. ينظر جريدة الشّريعة، العدد الأوّل، الصّادر يوم:. وجريدة البصائر (الأولى)، العدد الأوّل، الصّادر يوم: 27 من ديسمبر 1935م. فيهما تصريحات مشابهة. والجريدتان من إصدار جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين ..

٣٥ / ١٤١