الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٥٥

بيّوض للقطر الجزائري، وفي أقرب وقت ممكن، فإنَّ الخوف عليه شديد، واسمه يلاك في الألسن كثيرًا.

لكنّ الشّيخ بيّوض وبروح الإسلام، وبدافع الجهاد في سبيل الله الذي يأبى الفرار من الزّحف، وباسم الوطنيّة، التي ترفض تكليف البلاد أكثر ممّا تطيق، وهدر طاقاتها فيما لا يفيد، وربّما يضعفها، وبالأخلاق العالية التي تنبذ الإخلاد إلى الرّاحة والعيش في النّعيم، بينما بعض النّاس يتجرّعون الآلام ويتلظَّون في الجحيم .. بهذه المعاني أجاب الجميع: إنْ كانت حكومتنا تحتاجني لعمل ما، ولسدِّ فراغ لا يسدُّه غيري، فهذا واجب عليَّ، وسأُلَبِّي النّداء، وأزُّم حقائبي من الآن، وأمّا إنْ كان لمجرّد الخوف عليَّ، فأخرج فارًّا لأمكث في تونس أو المغرب، مع عشرات اللّاجئين الذين هم كلٌّ على الحكومة، فإنّني لا أرتضي لنفسي هذه المنزلة، فمكثي هنا، ومشاركتي إخواني الجزائريّين سرّاءهم وضرّاءهم، خير لي في الدّنيا والأخرى، وأنا غير راض عن كثير ممّن فرُّوا، وهم الآن يتسكّعون الطّرقات في شوارع تونس والرّباط، أو يتاجرون، في رأيي لو بقوا هنا معنا لكان خيرًا لنا ولهم.

ثمّ بروح مسؤولة وضمير يقظ حرّ، وشفافيّة واضحة للمستقبل، ورؤية حضاريّة عميقة، ونظرة صادقة مع نفسه وعمله، وتفهُّم حقيقي لدوره ورسالته يضيف الشّيخ بيّوض قائلا: " ثمّ إنَّ تركي لهذه المؤسّسات، التي هي ممّا تعتزّ بها الجزائر، وتفخر به يعرّضها لخطر محقّقٍ، إنَّ لي بالله ثقة أنْ يحميني ويحفظني".

بعد ذلك جاء الجواب: "إنَّ الذي حرصوا على ذهابك إلى تونس، إنّما كان قصدهم حمايتك وإنقاذك من الخطر المحدق بك".

شَكَرَ لهؤلاء مقصدهم النّبيل، وبقي في الجزائر يقوم بواجبه المكمِّل لعمل إخوانه في الخارج، والمنسّق مع الآخرين الذين ينشطون في الدّاخل. قال الشّيخ بيّوض: " وربحت في مكثي في الجزائر ربحًا وفيرًا لا هو درهم ولا دينار، وإنّما هو العدد العديد من الشّباب المثقّف بالعربيّة، المتربِّي بالإسلام، وكفى بهذا ربحًا. "(1)

(1) - لمزيد من التّفاصيل عن هذه المسألة، ينظر أعمالي في الثّورة، ص: 41 – 43. و ص: 121 – 123.وعن الرّبح الذي يعتزّ به الشّيخ بيّوض، وتكوينه الأجيالَ التي كانت دعاة للعمل الإسلامي، نتيجة بقائه في الجزائر مرابطا، في ثغر معهد الحياة، ينظر عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائرية، ص: 219.

٥٥ / ١٤١