الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٥٨بمصير الجزائر كلّها، حتّى استطعتُ أنْ أقنعهم، فقطعنا العهد على أنفسنا أنْ لا نقبل العرض الذي اقترحته فرنسا، وأنْ نجيب كلّنا بكلمة واحدة: إنّنا نريد أنْ نكون دائمًا جزائريّين، ومصير الصّحراء هو مصير الشّمال الجزائري، ولا نقبل الانفصال عنها في أيّ حال من الأحوال. "(1)
هذا الموقف كان محلّ تقدير أعضاء من قيادة الولاية السّادسة، الذين أوفدتهم القيادة إلى منطقة وادي ميزاب سنة 1961، وهم أحمد طالبي، وسعيد عبادو، وعثمان حمدي، ورشيد الصّائم، فقد اعترفوا بنضال الشّيخ بيّوض، وبمواقفه المشرّفة في القضيّة، وقد اتّصل بعضٌ منهم بالشّيخ اتّصالًا مباشرًا، وتحاوروا معه في موضوع فصل الصّحراء عن الشّمال، واقتنعوا بوجهة نظره، وتبيّن لهم أنَّ موقفه سليم، فهو لم يوافق على ما طلبته منه فرنسا، كما لمسوا فيه الصّراحة والعفّة، ثم تركوه ليواصل عمله لإقناع الجماعة الأخرى، أحمد التّيجاني، وحمزة بوباكر وغيرهما … بعدم الموافقة على مطالب فرنسا.
لمَّا أثيرت القضيّة في المجلس الجزائري بورقلة في خريف سنة 1961، كان الشّيخ بيّوض من بين المتدخّلين، قال من جملة ما قال: "سيّدي الرّئيس: إنَّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانيّة العمالة، فاختصاصنا لا يخرج عن دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات وما أشبهها من الميادين، ولا يحقُّ لنا مطلقًا في التّكلم باسم الأمّة في أمر سياسي هامٍّ خطير، الحقُّ فيه للأمّة بأسرها، ثمّ من جهة أخرى سيّدي الرئيس! إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرنا في سياستها في هذه البلاد، فلم تستشرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظام التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال سمّتها أحوازًا ممتزجة، فهي تصل وتفصل، وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها فلا تسمعها، حتّى في تطبيق قوانين سَنَّتْهّا هي، ولا يخفاكم موقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستورها، فإذا
(1) - تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى إلى وادي ميزاب. ينظر أعمالي في الثّورة، ص: 80. تعدّدت خطابات الشّيخ بيّوض وتصريحاته بمبدأ عدم انفصال جنوب الجزائر عن شماله .. في عدّة مناسبات، ومنذ بدأت الأحاديث تتناول العلاقة بين الطّرفينن أي منذ الأربعينيّات من القرن القرن العشرين .. مثلا ينظر الخطاب الذي ألقاه الشّيخ بيّوض أمام لجنة النّوّاب الفرنسيّين في ساحة سوق مدينة القرارة، سنة 1951م، عن طلب الميزابيّين ربط وادي ميزاب بالشّمال، ورفض الانفصال .. كتاب: الشّيخ إبراهيم بن عمر مصلحًا وزعيمًا، ص: 188 - 1990.