الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٥٩

أرادت فرنسا اليوم أنْ تستشيرَ فَلْتَسْتَشِرْ صاحب الحقّ؛ وهو الشّعب الجزائري كلّه. "(1)

إذن لم يكن الإغراء بالمال والجاه ليزحزح الشّيخ بيّوض عن موقفه، ولا ليحوّله عن مبادئه، أو يصيبه في وطنيّته، أو يفتنه في دينه. إنَّ الشّيخ قد استلهم هذه الرّوح من سيرة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وموقفه حين رفض - وبشدّة- ما عرضته عليه قريش من مال وجاه وسيادة، وتمتّع بملذّات الحياة الدّنيا، مقابل التّخلِّي عن رسالته، إذ كان الجواب: لا للمساومة في المبادئ، لا لخيانة الأمانة، لا للغدر بالأمّة ..

من منطلق الدّين كان جواب الشّيخ بيّوض، بالرفض للعرض المغري والمغرّر، وبمنطق الثّورة كان الرّد بلا لِخيانة الوطن، وتمزيق الصّفّ، وافتراق الكلمة .. وفي حدود الصّلاحيات التي خوَّلت له، وبدهاء سياسي … فوَّت الفرصة على المستعمرين، ليوفِّرَها للشّعب الجزائري؛ فيتمكّنَ من جمع كلمته وقوّته للتّصدّي لهذه المؤامرات والمناورات ..

لمّا سقط في أيدي المستعمرين كان ردُّ فعلهم على هذا الموقف الجريء عنيفًا، فقد ثارت ثائرتهم، وجُنَّ جنونهم، فراحوا ينتقمون لأنفسهم لهذا الانهزام النّفسي المرير، وهذا الاندحار السّياسي الكبير، حتّى قال بعض المسؤولين لبعضهم: إنَّ سياسة الشّيخ بيّوض معنا كلّها خداع، وأنَّ بلاء ميزاب كلّه من القرارة(2) خاصّة وأنّهم لاحظوا تردُّد الجنود عليها بكثرة.

شعر الفرنسيّون بذلك، لكنّهم لم يحصلوا على دليل ملموس يدين السّكّان، فزادهم ذلك حنقًا على القرارة، وعلى الشّيخ بيّوض - بخاصّة، - مكروا بالمدينة مكرًا، لم تشهده قرية في الصّحراء على الإطلاق. ففي يوم 28 أكتوبر 1961 طوَّقوا البلدة بالجنود والدّبابات والمصفّحات، ثمّ أخرجوا الرّجال كلّهم خارج المدينة، وطوَّقوهم بالأسلاك ثلاثة أيّام، وأباحوا المدينة لجنودهم اللّيلة الأولى، وللحركيّين اللّيلة الثّانية، فسلبوا ونهبوا وفعلوا ما لم يعلمه إلّا اللهُ من فضائح ومنكرات، وقد كان عدد الجنود المحاصِرين –

(1) - أعمالي في الثّورة، ص: 11.

(2) - المصدر السّابق، ص: 14. ص: 39، 40. (المطبوع)

٥٩ / ١٤١