الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٦١سياسة ماكرة، وأسلوب دنيء، لجأ إليه الحاقدون والحانقون، بعد فشلهم الذّريع في تمرير مخطِّطهم. انهيار عصبيٌّ وتوتُّر نفسيٌّ، وانهزام سياسيٌّ كبير، مُنِيَ به المغرضون والطّمّاعون، فصبّوا جامَّ غضبهم على من يقف في طريق مؤامراتهم، قال الشّيخ بيّوض: " … هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وظنَّ الفرنسيّون أنَّ هذه أنجح وسيلة لحمل الميزابيّين على قبول فكرة فصل الصّحراء، وكنت وحدي - بفضل الله – أفسدتُ عليهم خطّتهم … "(1)
لكن هيهات لمن عجم عود الاستعمار، ولمن ينبض وطنيّة وغيرة أنْ تنطلي عليه هذه الحيل الماكرة .. إنّه لن يبقَى مكتوف اليدين وهو يعرف ما سيؤول إليه الوطن من ذلّة ومهانة وصغار، وما بنتظره من خسارة وضياع ودمار .. إذا لم يكن صدّ لهذه المؤامرات .. فلابدّ أن يتحرّك الرّجال لإطفاء هذه الفتنة الهوجاء، التي تأتي على الأخضر واليابس، وتهلك الحرث والنّسل ..
فعلًا تحرّك الشّيخ بيّوض وعمل كلّ ما في وسعه لإخماد هذه النّار، وقد كان له دورٌ كبيرٌ في هذا المضمار؛ بتحرّكاته واتّصالاته المتعدّدة بمختلف الجهات والشّخصيّات، وبدروسه التي ألقاها في مدينة القرارة بخاصّة، إذ كانت أوّل ضحيّة في هذه الفتنة مواطنًا قراريًّا قتل فيها، بينما كان قاصدًا المستشفى لمعالجة زوجِهِ(2).
قال الشّيخ بيّوض مقدِّمًا ملخَّصًا عن هذه الدّروس: " … إنّي نزلت فيها بصواعق محرقة على هؤلاء المجرمين، الذين هم - كما صرَّحت - أعداء للجزائر، وأعداء لاستقلال الجزائر، إنّهم بعملهم هذا يعطون حجّة للذين يقولون: إنَّ الجزائر منحطّة متأخِّرة، وأهلها همج، ولم يصلوا إلى درجة استحقاق الاستقلال، وإنّهم إذا استقلّوا أكل يعضهم بعضا، وما في معنى هذا، ثمّ أثنيت في أخوّة المؤمنين، وفسّرت جميع ما جاء في ذلك من سورة الحجرات، مستشهدًا بالأحاديث النّبويّة، وأقوال السّلف الصّالح في ذلك، وقد ماتت الفتنة في مهدها، وخمدت نارها بفضل هذه الدّروس التي انتشرت في أيّام قليلة في جميع جهات القطر … "(3)
كان من بين ردود الفعل التي أفرزتها هذه الوقفة البطوليّة، والإصرار على المحافظة على وَحدة التّراب الوطني، تعرُّضُ التّجار الميزابيّين في الشّمال إلى مضايقات واستفزازات من البنك الجزائري والبنك الشّعبي بخاصّة، لخنق تجارتهم، والزّجّ بها في متاهات: " … وتتمثّل العمليّة في تهديد التّجار بالإفلاس، ثمّ إعلان إفلاسهم، وصدرت الأوامر إلى المحاكم أنْ تحكم بإفلاس التّجار الصّحراويّين المستقرّين في الشّمال، وعلى الأخصّ أبناء وادي ميزاب، وفي نفس الوقت كانت البنوك ترفض تغطيةَ مصاريفهم، وإعطاءَهم التّسهيلات العاديّة، وتطالبهم بتسديد الدّيون في الحال. والوجه الثّاني للعمليّة أو مرحلتها الثّانيّة يتمثّل في تحطيم متاجر المذكورين بقنابل البلاستيك .. وفعلا فقد حطّم البلاستيك أكثر من تسعين متجرًا من متاجر الصّحراويّين في العاصمة."(4)
لكن هيهات أنْ يُفَتَّ في عضد أصحاب المبادئ، ومستودع الوطنيّة، الذين كوَّنهم الشّيخ بيّوض وأمثاله من الوطنيّين والعباقرة. فقد أصرَّ الشّيخ بيّوض على موقفه – ومعهم أبناؤه وأنصاره - وثبت في الميدان، إلى أنْ يئست فرنسا من أيّة محاولة في موضوع الانفصال أو الفصل، ونالت الجزائر استقلالها، وبقيت لها صحراؤها والحمد لله، واندحر الأعداء، وسقط في أيدي الخونة.
قال الأستاذ بسّام العسّلي: " … ونزل الشّيخ بيّوض إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد معارك كبرى ضدّ فصل الصّحراء عن الشّمال استمرّت ستَّ عشرة سنة كاملة (من سنة 1947(5) إلى سنة 1962)، وكان رجال
(1) - أعمالي في الثّورة، ص: 18. ص: 45. (المطبوع).
(2) - هذه الدّروس موجودة في مكتبة الحياة بالقرارة، والضّحيّة هي سليمان بوعصبانة بكير بن أحمد. عمّ والدتي رحمهما الله.
(3) - أعمالي في الثّورة، ص: 18، 19. ص: 46 (المطبوع).
(4) - مناورة في الصّحراء، جريدة المجاهد، ع: 113. ينظر أيضًا الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص:23، 24. وفي 25 جانفي 1962، وعلى أثير "الجزائر حرّة ومقاوِمة "، أذاع قادة الثّو رة بلسان جبهة التّحرير خطابا شديد اللّهجة، بعنوان "المؤامرات الفرنسيّه حول الصحراء"، تبيّن فيه أسباب هذه الأحداث وأبعادها التي ارتكبت في حق الميزابيّين:
Rapport، 26 janvier 1962، au B.R.M. du C.I.S. Editorial intitulé : "Les conspirations françaises à propos du Sahara"، diffusé par la Radio de « l’Algérie Libre et Combattantes »، le 25 janvier 1962 à 12h50.
(5) - ينظر بعض التّوضيحات المهمّة في الموضوع ما كتبه الدّكتور محمد بن عمر لعساكر، في مبحث:"مهاجمته (أي الشّيخ بيّوض) للحكم العسكري والمطالبة والعمل على إلغائه"، ضمن محاضرة له عن جهاد الشّيخ بيّوض الوطني .. كتاب الملتقى الأوّل لفكرالإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 65 – 70.