الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٦٧معلّمه ومربّيه الحاج عمرين يحيى منذ اللّحظة الأولى من وفاة شيخه سنة 1921؛ رغم حداثة سنّه، وعاهد نفسه ووعد بإنقاذ القرارة ممّا أصابها بعد ذلك من الذّهول والحيرة واليأس من استمرار النّهضة؛ بسبب فقد الرّجل العظيم، وعدم التأكّد من وجود الخلف، الذي يقود المسيرة، وبوجِّه الأجيال ويكوِّنهم، حسب رأي بعض النّاس(1)
ــ كما أنّه حين وضع قدمه في هذا الطّريق الشّاقة الطّويلة، وحين أقحم نفسه في معترك هذه الحياة النّضاليّة الكبيرة المكلِّفة غاليًّا وثمنًا باهضًا … كان قد وضع نُصبَ عينيه هدفًا أساسيًّا واحدًا، هو تحرير البلاد من كلّ ما يمسُّها في أصالتها ومقوّماتها، وما ينالها في جوهرها، فكانت كلّ الأساليب المقترحة، والخطط المتبنّاة، والهياكل المهيّأة، والوسائل المستحدثة، والمناسبات المستغَلَّة … كانت كلُّها مسخَّرة لعمل وطني عامٍّ شامل، دؤوب ومتواصل؛ لتحقيق الغاية المنشودة السّامية، وكانت كلُّها موجهَّة لتحرُّك سياسي، يقول للدّخيل والمستعمر: لا مكان لك في هذه الأرض المسلمة، ولا نجاح لك في تحرّكاتك ومخطَّطاتك؛ فقد قطعنا على أنفسنا عهودًا لحماية تراثنا وترابنا منك ومن أمثالك.
ــ لقد أدرك أنَّ مقاومة الدّخيل لا تكمن إلّا بإعداد النّشء إعدادًا شاملًا وقويًّا؛ لذا اهتمّ بهذا الجانب اهتمامًا كبيرًا، يندرج ضمن العمل الوطني والمقاومة السّياسية، بإعداد ما يستطاع من قوّة لإرهاب العدوّ.
ــ علم علم اليقين أنَّ المكاشفة العلنيّة مع العدوّ في المقارعة والمناوأة، لا يكتب لها النّجاح دائمًا، فاستعمل معه أساليب المراوغة والمداراة في الوسائل، مع الصّلابة في المبادئ، وعدم الانحراف عن الأهداف.
ــ تيقّن أنَّ ساعة النّصر آتية لا ريب فيها، مهما يَطُل الوقت، ومهما تكن الظّروف، فضاعف من نشاطه الوطني، وكثَّف من مجهوده، في مقابل تعسّف المستعمر في معاملته للأهالي وعلاقتهم به؛ مدركًا أنًّ النّصر مع الصّبر.
ــ كان بعد كلّ ذلك الوطني الذي أسهم في بناء وطنه بكلِّ ما يملك من قوّة، والسّياسي الذي يعرف كيف يصل إلى هدفه بالوسيلة والطّريقة
(1) - ينظر خطبة الشّيخ بيوض في المناسبة، والجوّ الذي ساد يوم جنازة الشّيخ الحاج عمر بن يحيى، نهضة الجزائر الحديثة … ، ج3، ص: 5 وما بعدها.