الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٧٩

قضيّة، يرجو فيها (ديغول) كسب منطقة كبيرة وغنيّة، مقابل منح الحريّة للجزائريّين في الشّمال؟ أيخطئ دهاء رجلِ السّياسة فيقصد رجلًا مواليًا له، ينقم عليه الشّعب الجزائري، وتسخط عليه الثّورة وتتوعّده؟! أيدخل (ديغول) في رهان خاسر بهذه الخطّة؟!

ألا يُفهَم من صنع ديغول أنَّ الشّيخ بيّوض يملك مقامًا عظيمًا في صفوف الجزائريّين، وقوّة معنويّة كبيرة بينهم؟ وأنّه الواقف حجر عثرة في طريق تنفيذ خطّته؟ في استمالته إليه؟ وأنَّ النَّجاحَ في إقناعه نجاحٌ في تمرير المؤامرة.

هل إغراؤه بالمال والجاه كان كافيًا في استمالته؟ ودليلًا على ولائه لفرنسا؟ ألا يشبه هذا الموقف موقف الرّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ جين عرضت عليه قريش المال والجاه والتّمتُّع بالدُّنيا … فرفض الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - كلّ ذلك؟ هل مجرَّد العرض على الرّسول - صلى الله عليه وسلم - يجعله ضعيفًا ومتَّهمًا في رسالته، وفي قوة شخصيّته ومواقفه ومبادئه؟ لا أعتقد أنَّ أحدًا يقول بهذا، إلّا مَنْ كان في قلبه مرض وعلل، أو في عقله مسّ أو خلل ..

ما يقرب من هذا الموقف عَرَضَ للشَّيخ بيَوض، لكنّه بأخلاق الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وبدهاءٍ سياسيٍّ كبيرٍ رفض هذا الطّلب. قال الشّيخ بيّوض لرئيس المجلس العمالي بورقلة: (سيّدي الرّئيس! إنَّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانيّة العمالة، فاختصاصنا لا يخرج من دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات، وما أشبهها من الماديّات، ولا حقَّ لنا مطلقًا في التّكلّم باسم الأمّة في أمر سياسي هامٍّ خطير، الحقُّ فيه للأمّة بأسرها، ثمّ من جهة أخرى –سَيّدي الرّئيس- إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرنا في سياستها في هذه البلاد، فلم تستشرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظام التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال، سمّتها أحوازًا ممتزجة، فهي تصل وتفصل وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها، فلا تسمعها، حتّى تطبيق قوانين سنّتها هي).

هكذا كان رفض الشّيخ بيّوض لطلب ديغول، وكان رفضه بمنطق الثّورة التّحريريّة، التي يقول عنها رمضان: (لا تسمح لأيٍّ كان، مهما كانت رتبته في الجيش أو مسؤوليّته في جبهة التّحرير الوطني الاتّصال بأيِّ مسؤول في الجهاز العسكري أو السّياسي للعدوّ، مهما كانت نوعيّة هذا الاتّصال، إلّا

٧٨ / ١٤١