الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٩٠لا يقربوها، وفي الفجر قمنا لصلاة الفجر، ولا زال الجند يغطّون في نومهم، فَتَنَبَّهَ بعضهم فقال: ما هذا؟ فقلت: نسخّن الماء لصلاة الصّبح، ونهيّء لكم القهوة، فأشعلت الزّوجة في الوثائق النّار مع الحطب، فأكلت كلَّ شيء، ثمّ قاموا ففتّشوا ما بقي من المنزل، وسرقوا متاعًا ومصوغًا، وما كادوا يخرجون حتّى هجم فوج آخر، فأخبروهم أن قد كفوهم المؤونة، وكان عدد الجند المسرّح على البلدة ألفًا وخمسمائة، بتصريح رئيسهم."
لقد كان هذا الإجراء من المستعمر ردًّا على موقف الشّيخ بيّوض وبني وادي ميزاب من قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال. كما كان من ردود الفعل الفتنة العمياء التي أحدثها الاستعمار بين الإباضيّة والمالكيّة في وارجلان(1)، ومضايقة التّجار الصّحراويّين الميزابيّين على الخصوص في الجزائر العاصمة؛ بسبب هذا الموقف، كما أشارت إلى ذلك جريدة المجاهد، النّاطقة باللّغة الفرنسيّة، عدد: (89)، والنّاطقة باللّغة العربيّة، عدد: (113)، الصّادر في شهر جانفي 1962م.
ــ ألحّت على الشّيخ بيّوض جماعة من المخلصين مغادرة الجزائر، لأنّ الأخطار محدقة به من كلّ جانب؛ بسبب ما يقوم به من نشاط ثوري، فأصرّ على البقاء داخل وطنه، لأنّ وجوده في الدّاخل أفيد للثّورة من وجوده خارج الجزائر. هذا من تمام وطنيّته، ومن تمام إخلاصه وإيمانه بوجوب العمل الثّوري.
تدلُّ هذه الشّذرات، وهذه الإشارات السّريعة على مواكبة الشّيخ بيّوض لأحداث الثّورة، من أوّلها إلى آخرها، وتسجِّل مشاركته الفعّالة في صنع ملحمتها، وتدلّ على الحسّ الوطني العالي، الذي يتوفّر عليه الشّيخ، وعلى المرونة السّياسيّة والتّحرّك الدّبلوماسي، اللّذين يتمتّع بهما أيضًا، وهما أساسيّان، بل لابدّ منهما لكلّ زعيم وقائد وموجّه، ومن هو محطَّ الأنظار والمراقبة؛ لخوض غمار المعارك الضّارية، التي كانت مفروضة على الشّعب الجزائري ..
أتت هذه السّياسة بنتائجها في النّهاية .. لكنّ هذا المنطق وهذه الممارسات غابت عن أفهام قاصري النّظر والإدراك .. وعلى من لا يريد أن
(1) - وارجلان مدينة تقع في الجنوب الشّرقي للقرارة (حوالي 200 كلم)، كانت العاصمة العلميّة في الجنوب، لكثرة علمائها وحضارتها الكبيرة. هذه الفتنة كان فيها النّهب والسّلب والتّخريب لممتلكات الميزابيّين، والجرح والقتل، لكن بلطف من الله انتهت سريعًا ..