الشيخ نور الدين السالمي: مجدِّد أمة ومحيي إمامة مصطفى بن محمد شريفي

السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

يُبَيِّنُ هَذَا النصُّ أَنَّ السالميَّ كانت له رياضات روحيَّة يمارسها في خلواته، وكانت له المدد المعنويَّ في طلبه للعلم، والصبر عَلَى تحمُّل مشاقِّه. إِلاَّ أَنَّ فيه ــ في النص ــ ما يتعارض مع الواقع، إذ كيف له أن يتعرَّف عَلَى هَذَا الذي فعل به ذَلِكَ ويحكم بِأَنَّهُ شيطان وَأَنَّهُ «أسود بلغ رأسه عنان السماء، وله خلق مهول»، علما بِأَنَّهُ ضرير؟! وإن كُنَّا لا نكذِّب الشيخين ــ النور السالميَّ وابنَه ــ خَاصَّةً وَأَنَّهُ صَرَّحَ بإخباره بِذَلِكَ، وَلَكِن من المحتمل أن يكون قد رأى ذَلِكَ في الحلم، واحترقت الكمة بسبب من الأسباب في الواقع، فاستيقظ من غفوته ظانا بِأَنَّ ذَلِكَ كان حقيقة، فكثيرا ما يمزج الإنسَان في أحلامه بين الواقع المحيط به وَهُوَ نائم، وبين ما يراه في منامه، فتتألف قِصَّة هي من الوضوح بحيث تبدو وكَأَنَّهَا حقيقة. والله أعلم!.

ثُمَّ إِنَّنَا نتساءل: لماذا حذف أبو بشير هَذِهِ الفقرة بكاملها لَمَّا نقَّح ترجمة والده ووضعها في كِتَابه نهضة الأعيان؟ أكان ذَلِكَ مراعاةً لطبيعة القرَّاء الذين قد لا يتقبَّلون الرواية بسهولة، أم لأَنَّ في الأمر شَيْئًا؟.

مهما يكن من أمر فَإِنَّ النقد الموجَّه إِلىَ الرواية لا يقدح في صِحَّة الخلوات والرياضة التي مارسها، لأَنَّ المواقف الصعبة التي مَرَّ بها السالمي واستطاع تحمُّلها بصبر ورباطة جأش دَلِيل عَلَى ما يتمتَّع به من قُوَّة نفسيَّة عظيمة، فهي ولا شَكَّ لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة تدرُّب و”رياضة“ روحيَّة، انعكست عَلَى سلوكه وتصرُّفاته: صبرا وتضحية. وَهَذَا التكوين الذي تلقَّاه السالمي عَلَى يد السيفي يذكِّرنا بما تلقاه أَيضًا الشيخ محَمَّد عبده عَلَى يد المتصوِّف الشيخ درويش (1).

(1) ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص358 - 360. طهاري: مفهوم الإصلاح، ص46.

١٠٥ / ٥١١