السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٤روح الزهد وعدم الانبهار بالدنيا وملذَّاتها: اشتهر أغلبهم بالزهد والورع، والعزوف عن الدنيا وملذاتها، رغم امتلاكهم مقاليد الدولة، وإمساكهم بزمام الأمور، فلم تغرُرْهم مناصبهم في الولايات بأخذ المال من غير حلِّه، أو التوسُّع في الرزق ــ كما حدث ذَلِكَ كثيرا عبر التاريخ الإِسلاَمِي ــ بل إِنَّ بَعضهم كان غنيًّا قبل تقلُّده لأحد المناصب في الدولة ثُمَّ عزف عَمَّا في أيديه زهدا فيه، كما كان من الإمام الخليلي.
· كثرة التنسُّك والعبادة: نفخ السالميُّ في تلاميذه هَذِهِ الرياضات الروحيَّة ــ من كثرة الصلاة والصوم وذكر الله ــ فكانت المدد المعنويَّ، وَالقُوَّة الدافعة نحو التحلِّي بالفضائل، والتخلِّي عن الرذائل؛ فهي الوقاية التي تمنع أركان الدولة من أن تزعزعها الأهواء، وتفرِّقها النوازع المَادِّيَّة العاجلة، وهي نوع من الرقابة الدَّاخِلِيَّة، تمنع المرء من الإقدام عَلَى ما لا يرضاه الرقيب الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وقد طبَّق تلاميذ السالمي هَذَا المبدأ، حَتَّى إِنَّ بَعضهم بالغ في ذَلِكَ عَلَى حساب جسده.
وَهَذِهِ الأوصاف هي التي تحلَّى بها السالميُّ، واستطاع أن يركِّزها في تلاميذه، قولا وفعلا، قولا: من خلال الدروس التي كان يلقيها عليهم، والمؤلَّفات التي ألَّفها. وفعلا: من خلال السلوك العمليِّ الصارم الذي طبَّقه عَلَى نفسه، فكان لهم أسوة حسنة، ومثالا يُحتذى. وَلَعَلَّ الإصابة التي ابتلي بها السالمي ــ وهي العمى ــ كانت من أهمِّ الأسباب التي تدعو تلامذته إِلىَ الاحتذاء به، إذ لم يكن فقدان البصر عائقا أمام تحقيق أهدافه التي رسمها وخطَّط لها بإحكام.
وإذا كُنَّا قد تعرَّضنا لجانب من الجهد الفكريِّ للشيخ السالمي، فلنتناول بالتحليل جانبا آخر من آثاره الفِكرِيَّة أَيضًا، وَهُوَ التأليف؛ فما هي الْمُؤَلَّفَات التي تركها السالميُّ؟ وما الروح التي تتضمَّنها تِلْكَ الْمُؤَلَّفَات حَتَّى استطاع بها بثَّ الوعي والنهضة الفِكرِيَّة والسِّيَاسِيَّة في نفوس العمانيِّين؟ …
هَذَا ما سنحاول الإجابة عنه في المبحث الآتي.