السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥- والملاحظة الثانية: هي الانتقال الفجائي من ذكر أحداث سنة 1324هـ/1906م إِلىَ أحداث سنة 1328هـ/1910م، فهناك فجوة لأربع سنين، علما أَنَّهُ اتَّبَعَ في أواخر كِتَابه طريقة التأريخ الحولي، وَرُبَّمَا يفسَّر ذَلِكَ باستقرار الأمور، وانعدام الأحداث التي تَسْتَحِقُّ التدوين، أو أَنَّ هنالك أحداثا سِرِّيَّة ـ مثل مساعيه لإحياء الإمامة ـ لم يُرِد السالمي إفشاءها، خَاصَّةً إذا صَحَّ أَنَّ تأليف "تحفة الأعيان" كان بطلب من السلطان.
ومهما قيل في نقد المنهج التاريخيِّ لدى السالميِّ، إِلاَّ أَنَّ كِتَابه يحتفظ بقيمته العِلمِيَّة، إِذ يحوي مَادَّة غزيرة، وتزداد أَهَمِّيَّتها بإيراد عدَّة نصوص تعتبر وثائق تَارِيخِيَّة هَامَّة، وكنوزا أدبيَّة رائعة، كالرسائل المتبادلة بين الأَئِمَّة وولاتهم وبين العلماء، تنمُّ عن مدى تقديرهم للمسؤوليَّة، وحبِّهم للعدل، ورعاية حقوق الضعفاء والعوام، والقيام بمصالح الأنام، والسعي في رفع لواء الإسلام.
اللغات الأجنبيَّة (1): لا يمنع السالمي مَن تعلَّمها للضرورة كمترجم الملك ونحوه. وَلَكِن في رَدِّ الشيخ عَلَى بَعض الزنجباريِّين مَنَعَهم من ذَلِكَ بشدَّة، ولم يعتبر ما اعتذروا به من ضياع حقوقهم ضرورةً، وَذَلِكَ لَمَّا تَبَيَّنَ له أَنَّ هدف الإنجليز من فتح مدارسهم في تلك البلاد لم يكن سوى نشر أفكار الشرك، ومحو الشَّخصِيَّة الإِسلاَمِيَّة من نفوس الناشئة، فكان رأيه أَنَّ عدم تعلُّمها سلامةٌ للدين، وحفظٌ للُّغة العَرَبِيَّة، منطلِقا في ذَلِكَ من حسِّه الدينيِّ، ومعتمدا عَلَى حديث لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «من أحسن منكم أن يَتَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ فلا يَتَكَلَّم بالفارسيَّة فَإِنَّهُ يورث النفاق» (2)، فالكلام بغير العَرَبِيَّة يفضي إِلىَ محبَّة غير المسلمين، وَهُوَ عين
(1) ينظر: بذل المجهود، ص46 - 52.
(2) قال السالمي: حديث صحيح (ص48)، وعزاه إِلىَ مستدرك الحاكم. والحاكم رواه بلفظ: «فلا يتكلَّمن»، ولم يعلِّق عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. ولكنَّ آثار الضعف في متنه بادية عليه، فضلا عن سنده الذي قاله عنه ابن حجر: «سنده واهٍ». ينظر: أبو عبد الله محَمَّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (321 - 405هـ): المستدرك عَلَى الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ/1991م، 4/ 98. أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (773 - 852هـ): فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، 6/ 184، حديث رقم: 2905.