السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧ب - التصوُّف (1):
كانت الطرق الصوفيَّة منتشرة في عهد السالمي (2)، وإذ كُنَّا نبحث عن نظرته إِلَيْهَا، اعترضنا إشكال يَتَعلَّقُ بموقفه من المتصوِّفة وما يذكرونه من طرق اكتساب العلم، بالرياضة والإلهام والكشف … خَاصَّةً وقد سبقت الإشارة إِلىَ ما تلقَّاه السالمي من تكوين روحيٍّ عَلَى يد الشيخ محَمَّد السيفي، مِمَّا يدفعنا إِلىَ التساؤل: ما موقف السالميِّ من التصوُّف؟ وهل كان الشيخ السالمي متصوِّفا؟
إِنَّ الجواب يكون من زاويتين:
الزاوية الأولى: قد رأينا كيف استعمل أبو بشير مصطلحاتٍ صوفيَّةً، إذ ذكر أَنَّ السيفي أعطاه «طريقة» مناسبة له، وَأَنَّهُ أمره بـ «الخلوة» و «الرياضة»، حَتَّى ينال مراده من «وهبيات العلم اللدنِّي»، وَأَنَّ الشيخ نور الدين امتثل أمر أستاذه، فكانت له خلوات (3)، والخلوة والعزلة مِمَّا يدعو إِلَيْهِ المتصوِّفة (4). وَعَلَى هَذَا فالجواب المتبادر يكون بالإيجاب.
الزاوية الثانية: أَنَّ أبا بشير هو الوحيد الذي تفرَّد بذكر هَذَا النوع من التكوين، ولم يَرِد فيه ـ ولا في كُلِّ ما اطَّلَعت عَلَيْهِ من التراجم ـ مصطلح «التصوُّف» أو أحد اشتقاقاته، وبناء عَلَى هَذَا فيكون الجواب بالنفي.
(1) توجد عِدَّة أقوال لاشتقاق التصوُّف، فقيل: مشتقٌّ من أهل صفَّة الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من الصف الأَوَّل من حيث محاضرة الله، أو من الصوف، فيقال تصوَّف لمن لبس الصوف، كما يقال: تقمَّص لمن لبس القميص … وَأَمَّا اصطلاحا فهو: «الدخول في كُلِّ خُلق سَنيٍّ، والخروج من كُلِّ خلق دَنيٍّ»، أو «أن تكون مع الله بلا علاقة»، أو «الأخذ بالحقائق واليأس عَمَّا في أيدي الخلائق» … إِلىَ غيرها من التعاريف. ينظر: أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (376 - 465هـ): الرسالة القشيرية في علم التصوُّف، دار الكِتَاب العربي، بيروت، لبنان، 1376هـ/1957م، ص126 - 127.
(2) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص342 - 343، 348.
(3) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص4.
(4) يقول القشيري: «ولا بُدَّ للمريد في ابتداء حاله من العزلة عن أبناء جنسه، ثُمَّ في نهايته من الخلوة لتحقُّقه بأُنسه … [وعليه] أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شرِّه، ولا يقصد سلامته من شرِّ الخلق». الرسالة القشيرية، ص74.