السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩2 - موقفه من المعرفة الصوفية:
نتعرَّض هنا إِلىَ موقفه من العلم اللدنِّيِّ، واكتساب العلم بالإخلاص، والكشف والإلهام، وهي ما وجدناه في تآليفه.
العلم اللدنِّي: سئل السالمي عَمَّا في الدَّلِيل والبرهان للوارجلانيِّ، أَنَّ من حصل له العلم اللدنِّيُّ (أو علم المكاشفة، أو الكشف)، صار علمه فوق علم الملائكة المقرَّبين، والأنبياء والمرسلين الذين «بعثوا في إصلاح الفساد في الظاهر، وبقي عليهم علم الباطن الذي استأثر الله به، إِلاَّ من خصَّه من عباده» (1)، ومن بلغ هَذِهِ المنزلة رُفع عنه الحجاب، وكُشف الغطاء عن قلبه «في جميع [كذا] ما أراد الله - عز وجل - أن يحدثه في خلقه آثره بعلم ذَلِكَ، وخصَّه به، فكانت علومه من لدن الله - عز وجل - لا بواسطة من غيره، كما قال الله - عز وجل -: ﴿ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ [الكهف: 65]» (2)، فأجاب السالميُّ بقوله: «لَعَلَّ صاحب الدَّلِيل حكى هَذَا الكلام عن أحد من أهل الضلال فلم يتبع أَوَّله، فَإِنِّي قد وجدته حكى مثل هَذَا المعنى في كِتَاب "العدل والإنصاف" (3) عن أهل الباطن» (4)، ويضيف: إِنَّ أولئك الباطنيَّة كانوا
(1) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (570هـ): الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحقِّ بالبرهان والصدق، تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ/1983م، 3/ 215.
(2) المصدر نفسه، 3/ 221 و237، 308.
(3) ينظر: الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، حقَّقه وعلَّق عَلَيْهِ: د. عمرو خليفة النامي، (مرقون)، ص134. وقد ابتدأ كلامه عن الباطنية بقوله: «أَمَّا الباطنيَّة فزعموا أَنَّ الله خاطب العقلاء ذوي الألباب بالأمور الباطنيَّة، وخاطب العَامَّة بالأمور الظاهرة … » ثُمَّ فصَّل القَضِيَّة وشرحها كما ذكرنا في تلخيص السالمي، وقول الوارجلاني: «زعموا» يوحي بِأَنَّهُ يخالفهم الرأي. وانبرى للردِّ عَلَيْهِم بذكر تأويلاتهم الباطلة، وفضائحهم الأخلاقيَّة، وردَّ قولَهم بتأليه الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه، وبيَّن أَنَّ الأخذ بقولهم ـ أي أنَّ لِكُلِّ لفظ ظاهر وباطن، ممَّا يعدُّ تلاعبًا بمعاني الألفاظ ـ يجعل النقاش معهم متعذِّرا. (ينظر: المصدر نفسه، ص142 - 147).
وَلَكِنَّ الذي يؤخذ عَلَيْهِ أَنَّهُ لم يَرُدَّ عَلَيْهِم قولهم عن التكليف: «فالبداية للأطفال والأغمار من الرجال والنساء، والنهاية لذوي الألباب والعقول» (ص134)، مِمَّا يوحي بموافقته لهم، خَاصَّةً وَأَنَّهُ قد كرَّر في مُؤَلَّفَيْهِ فكرة تدرُّج الإيمان عَبْرَ خمسة مراتب، كُلَّمَا ازداد قُوَّة ورسوخا انتقل إِلىَ المرتبة التي فوقها، وهي: الإيمان، ثُمَّ الظنُّ، ثُمَّ العلم، ثُمَّ اليقين، ثُمَّ المعرفة (وهي الكشف أَو المكاشفة، أو العلم اللدنِّي)، وهي الغاية القصوى للعباد، وهناك يحصل له ما ذكر من كشف الحجاب والاطلاع عَلَى المغيبات، وحصول العلم له من الله بلا واسطة، وتعبُّده بما سنح في خاطره لا بالشريعة … إلخ (ينظر: العدل والإنصاف، ص373 - 376. الدَّلِيل والبرهان، 3/ 215 - 216، 238 - 239). وَهَذَا مِمَّا أوقعنا في إشكال كبير عن رأيه الفصل في المسألة، لم نعثر له عَلَى حلٍّ عنده ولا عند مَن كَتَبَ عن فكره!.
(4) العقد الثمين، 1/ 55. جوابات، 6/ 134.