السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢ونرى من الأَهَمِّيَّة بمكان أن ننقل نَصًّا ـ وإن كان مطوَّلا ـ من جواب السالمي لسؤال ورد إِلَيْهِ من المجاهد الليبيِّ سليمان باشا الباروني (1)، عن أسباب الفرقة بين المسلمين، ومدى إمكانيَّة توحيدهم، والسبل الكفيلة بذَلِكَ مَادِّيًّا وزمانيًّا ومكانيًّا؟ فأجاب السالميُّ بقوله: « … نعم نوافق أَنَّ منشأ التشتيت اختلاف المذاهب، وتشتُّت الآراء، وَهُوَ السبب الأعظم في افتراق الأُمَّة، عَلَى حسب ما اقتضاه نظركم الواسع في بيان الجامعة الإِسلاَمِيَّة. وللتفرُّق أسباب أخرى، منها: التحاسد أو التباغض، والتكالب عَلَى الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرياسة والاستبداد بالأمر … وجمع الأُمَّة عَلَى الفطرة الإِسلاَمِيَّة بعد تشعُّب الخلاف ممكن عقلا، مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرا كان، ﴿ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63]، والساعي في الجمع مصلح لا محالة. وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إِلىَ ترك الألقاب المذهبيَّة ويحضَّهم عَلَى التسمِّي بالإسلام، فَإِنَّ الدين عند الله الإِسلاَم، فإذا أجاب الناس إِلىَ هَذِهِ الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبيَّة المذهبيَّة ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحقَّ لنفسه، ويكون الحقُّ أَوَّلاً عند آحاد الرجال، ثُمَّ يفشو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يرجع إِلىَ الفطرة، وهي دعاية الإِسلاَمِ، التي بعث بها محَمَّد عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وتضمحلُّ البدع شَيْئًا فَشَيْئًا، فيصير الناس إخوانا، ومن ضَلَّ فَإِنَّمَا يضلُّ عَلَى نفسه. ولو أجاب الملوك والأمراء إِلىَ ذَلِكَ لأسرع في الناس قبولهم، وكفيتم مؤونة الغرم، وإن تعذَّر هَذَا من الملوك فالأمر عسير، والمغرم ثقيل. وأوفق البلاد لِهَذِهِ الدعوة مهبط الوحي، ومتردَّد الملائكة، ومقصد الخاصِّ والعامِّ: حرم الله الآمن، لأَنَّهُ مرجع الكلِّ. وليس لنا مذهب إِلاَّ الإسلام، فمن ثمَّ تجدنا نقبل الحقَّ مِمَّن جاء به، وإن كان بغيضا، ونردُّ الباطل على من جاء به وإن كان حبيبا، ونعرف الرجال بالحقِّ، فالكبير عندنا من وافقه، والصغير من
(1) تقدمت ترجمته، ينظر: ص 88 من البحث.