السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣خالفه، ولم يشرِّع لنا ابن إباض مذهبا، وإنَّما نُسبنا إليه لضرورة التمييز، حين ذهب كلُّ فريق إلى طريق، وأمَّا الدين فهو عندنا لم يتغيَّر، والحمد لله» (1).
ولا يخفى ما في هَذَا التحليل من واقعيَّة ووعي بأسباب فرقة المسلمين، الدِّينِيَّة والسِّيَاسِيَّة والذاتيَّة، وهو شبيه بطرح الكواكبي (2) الذي اقترح إنشاء جمعية دائمة غير حكومية، تعنى بإصلاح وضع المسلمين، يكون مركزها مَكَّة، «ولا تتقيَّد بمذهب ديني خاصٍّ، ويكون شعارها: ”لا نعبد إلاَّ الله“» (3).
ونلاحظ أَنَّ السالمي ألقى بالمسؤوليَّة في جمع الشمل عَلَى عاتق الحكَّام والأمراء، وَهَذَا أمر معقول إِلىَ حدٍّ بعيد، فالعالم الإِسلاَميُّ في ذَلِكَ العهد ـ وإِلىَ اليوم ـ يعاني من أزمة حكَّامه، الذين لا يحقِّقون آمال شعوبهم في جمع الكلمة، وإنفاق الأموال الطائلة من أجل زيادة تشتيت المسلمين (بالسباق نحو التسلح، وتسخير أجهزة الإعلام المضاد، وأجهزة الاستخبارات … )، ولا ينفقون عشر معشار ذَلِكَ في الصلح بينهم، وتوحيد صفوفهم!.
وَلَكِن ما يأمله السالمي من عدم التسمِّي بالألقاب المذهبيَّة والعودة إِلىَ الفطرة الإِسلاَمِيَّة أمر نظريٌّ وليس واقعيًّا، لأَنَّ العودة إِلىَ الفطرة المذكورة ـ وَلَعلَّهُ يقصد بها الرجوع إِلىَ الكِتَاب وَالسُّنَّة دون تقليد ـ تفضي إِلىَ ما يُسَمَّى بـ «اللامذهبية» (4)، وإلى ظهور مذاهب جديدة؛ لأَنَّ تصحيح النصوص وتضعيفها وفهمها والترجيح بينها … سيختلف حتما من عالم لآخر (5)، كما اختلف العلماء السابقون تماما، وهم أقرب مِنَّا إِلىَ المنابع الأولى للشريعة الإِسلاَميَّة، وهكذا تختلف الأُمَّة وتفترق في سلسلة من المذاهب لا تنتهي.
(1) العقد الثمين، 1/ 126 - 127. نهضة، ص123 - 124.
(2) عبد الرحمن الكواكبي (1265 - 1320هـ/1849 - 1902م): ينظر ترجمته وأعماله: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص319 - 355. الزركلي: الأعلام، 3/ 298.
(3) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص351.
(4) ينظر: د. محَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي: اللامذهبية أخطر بدعة تهدِّد الشريعة الإِسلاَمِيَّة، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، الجزَائِر، 1990م، ص14 وما بعدها.
(5) ينظر الأسباب التي ذكرها السالمي للاختلاف بين الفقهاء: معارج الآمال، 1/ 14 - 23.