السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤وقوله: «فَإِنَّ الدين عند الله الإِسلاَم … ويكون الحقُّ أَوَّلاً عند آحاد الرجال، ثُمَّ يفشو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يرجع إِلىَ الفطرة»، مع قوله في نفس الجواب: «وليس لنا [أي الإِبَاضِيَّة] مذهب إِلاَّ الإِسلاَم … وَأَمَّا الدين فهو عندنا لم يتغيَّر والحمد لله» (1) يوحي بِأَنَّ السالمي لا يدعو إِلىَ اللاَّمذهبية، وَلَكِنَّهُ يرى أَنَّ المسلمين لو عادوا إِلىَ الفطرة الإِسلاَمِيَّة فسيقعون ـ دون قصد ـ في مذهب الإِبَاضِيَّة؛ لأنَّه يمثِّل الإسلام الذي لم يتغيَّر. وَهَذَا الكلام فيه نظر؛ فمِمَّا لا شَكَّ فيه أَنَّ الحقَّ المطلق لا وجود له، فلِكُلِّ مذهب وَلِكُلِّ عالم مأخوذ ومتروك. ثُمَّ إِنَّ الإباضيَّة ـ والسالميُّ منهم ـ وإن اعتقدوا أَنَّ مذهبهم هو الإِسلاَم بعينه لم يتغيَّر، إلاَّ أنَّهم لم يدَّعوا يوما العصمة المطلقة من أيِّ خطأ؛ لذلك لا يستنكفون عن الأخذ من مصادر كلِّ المذاهب الإسلاميَّة الأخرى، والحقُّ مقبول مِن كلِّ مَن جاء به، مهما كان مذهبه أو انتماؤه. هذا بالإضافة إلى أنَّ كُلَّ أصحاب المذاهب الأخرى يعتقدون في مذهبهم نفس الاعتقاد، وهو أنَّ مذهبهم هو الإسلام النقيُّ الصافي. لِذَا فطرح السالميِّ لا يعدو أن يكون نظريًّا مثاليًّا، وقد صدق حين قال في جوابه هَذَا: إِنَّ جمع الكلمة عَلَى هَذَا «ممكن عقلا، مستحيل عادة». فالمطلوب إذن هو المبدأ الذي دعا إليه الشيخ علي يحيى معمر (2)، حين قال: «وإنَّما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كلُّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به، وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات، وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضًا، ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه: (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ)» (3).
(1) العقد الثمين، 1/ 127. نهضة، ص124.
(2) علي يحيى معمَّر (1337 - 27 صفر 1400هـ/1919 - 15 جانفي 1980م): من علماء جبل نفوسة بليبيا، فقيه ومُؤَرِّخ وأديب، له عِدَّة مقالات ورسائل وبحوث، من تآليفه: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ في أربع حلقات، الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، سمر أسرة مسلمة … ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 298، ترجمة رقم 640.
(3) معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق، ص5.