الشيخ نور الدين السالمي: مجدِّد أمة ومحيي إمامة مصطفى بن محمد شريفي

السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٠

المسلمين فرُّوا بدينهم، وتخلَّوا عن تلك المناصب، زعما منهم أَنَّ ذَلِكَ غير جائز، فردَّ عَلَيْهِ السالميُّ بشدَّة: «لو تدري ما قلت في هَذِهِ الكلمات لأكثرت الزفرات، وأطلت العبرات، كيف تقول: "زعما منهم أَنَّ ذَلِكَ غير جائز" كَأَنَّكَ المكذِّب بِذَلِكَ، ونصوص الكِتَاب وَالسُّنَّة القاطعات تمنعنا من معاونتهم عَلَى ظلمهم، ولو بأقلِّ قليل، والجهل آفة، ولولا أَنَّ الكلام يخرج بنا عن المقصود لبسطنا الأَدِلَّة عَلَى منع الظلم والمعاونة عَلَيْهِ، وحسبك الآن قَوله تَعَالىَ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وقد لُمتَ أنت الفضلاء بما أثنى الله به عَلَيْهِم في كِتَابه العزيز، ودعوتهم إِلىَ فعلٍ ذمَّ الله الداخل فيه … » (1). وللسالميِّ رأي ثالث في حكم العمل في البلاد التي استولى عَلَيْهَا المشركون والجبابرة، وَهُوَ أَنَّ الحكم يختلف بحسب الأحوال ونوع العمل، فإن كان خيرا فهو خير، «وإن كان شَرًّا فشرٌّ، وما أفضى إِلىَ الشرِّ فهو شرٌّ، وما لا يمكن فعله إِلاَّ بمعصية فهو معصية، ومن عمل شَيْئًا يستَحقُّ عَلَيْهِ العناء في المال فله أن يأخذ عناءه، وإن دفع إِلَيْهِ المشرك أو الجائر جاز له» (2). وحين سئل عن حكم عمل القاضي في دولة الجبابرة؟ أجاب بِأَنَّ الرأي الصحيح والمعمول به هو الجواز، وبرَّر الجواز بقوله: «كيلا تتعطَّل الأحكام كلُّها بالعجز عن بَعضها، ولأَنْ يُذكَر الحكم الشرعيُّ في البلاد أحبُّ إِليَّ من إهماله بِالكُلِّيَّة … » (3)، والسالميُّ في هَذَا الرأي الأخير وافق رأي الزنجباريِّ الذي رَدَّ عَلَيْهِ آنفا، وما دمنا لا نعرف تواريخ فتاواه لنقارنها بتاريخ "بذل المجهود"، فَإِنَّنَا لا نعرف ما استقرَّ عَلَيْهِ رأيه. وفي نظر الباحث أَنَّ الرأي الأخير هو الأكثر مراعاة للمصلحة (4)، وأدعى إِلىَ نشر العدل شَيْئًا فَشَيْئًا، شريطة أن يكون القاضي

(1) بذل المجهود، ص58 - 59.

(2) العقد الثمين، 2/ 461. جوابات، 4/ 411.

(3) المصدر نفسه، 5/ 52.

(4) ينظر تعريف المصلحة وأقسامها باعتبار الشرع: الغزالي أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: المستصفى، دار الكتب العِلمِيَّة، ص173 وما بعدها. عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العِلمِيَّة، 1/ 11 وما بعدها. (برنامج جامع الفقه الإِسلاَمي)

٣٤٠ / ٥١١