السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٩عَلَى السلطان فيصل ذاهبا وراجعا، فقابلني هو وأولاده بالإجلال والاحترام، و”من لم يشكر الناس لم يشكر الله“» (1).
بناء عَلَى ما ذكرنا فقد تبدو لنا شَخصِيَّة السلطان فيصل من أَوَّل وهلة شَخصِيَّةً متناقضة، فهو يحِبُّ الاستقلال من جهة، ويبيع وطنه من جهة، يُرضي فرنسا ويُغضب بريطانيا حينا، يُغضب فرنسا ويُرضي بريطانيا في أغلب الأحيان، يتسمَّى بالإمام ويحكم بالسلطنة، يُقَدِّرُ العلماء ويحاربهم، يستنصحهم ويعصيهم … وَلَكِن يمكن تفسير ذَلِكَ بمدى صعوبة الظرف الذي كان يَمُرُّ به، داخليًّا وخارجيًّا، وشدَّة الحرج الذي وقع فيه، وكان بين خيارين أحلاهما مرٌّ:
- إِمَّا أن يستجيب لمطالب المعارضة في الداخل، فينال تأييد شعبه؛ وَلَكِنَّهُ سيفقد تأييد بريطانيا ودعمها، وعلاقاتِه ومكانتَه ـ إن بقيت له مكانة ـ بين الدول الاستدماريَّة، ولا يُعترَف به كسلطان يمثِّل دولة (2)، لأَنَّ الاستجابة لمطالب الداخل يعني التخلِّي عن الاِتِّفَاقيات والمعاهدات التي أبرمها هو ووالده.
- وَإِمَّا أن يلتزم باتِّفاقياته الدوليَّة فينال تأييد بريطانيا القَوِيَّة مادِّيًّا وعسكريًّا … فيحتفظ بمنصبه سلطانا معترَفا به رسميًّا بين الدول، وَلَكِن لاَ بُدَّ له أن يقمع المعارضة ـ بمساندة بريطانيا بطبيعة الحال ـ؛ فيفقد تأييد الرعيَّة.
هكذا وجد السلطان نفسه مضطرًّا أن يختار الحلَّ الثاني، شأنه شأن أغلب الملوك والسلاطين (3). وإِنَّ أحد الكتَّاب الغربيِّين رُبَّمَا لم يتفهَّم الوضع جَيِّدًا، فوصف السلطان فيصل بقوله: «لقد كانت سياسته بليدة جعلت أكثر القبائل ميلا له تنفر عنه، ومردُّ ذَلِكَ إِلىَ إهماله أكثر منه إِلىَ عدم كفاءته» (4). إِلاَّ أَنَّ هناك من
(1) السالمي: تحفة، 2/ 329.
(2) وَهَذَا أمر محتمل جِدًّا، فَإِنَّ بريطانيا لم تعترف بفيصل سلطانا منذ اعتلائه العرش في 1305هـ/1888م حَتَّى أمضى أخطر معاهدة في تاريخ عُمان سنة 1308هـ/1891م. ينظر: نهضة، ص238.
(3) كانت حال السلطان فيصل أشبه ما تكون بحال الخديو توفيق في مصر مع إنجلترا أَيضًا، حذو النعل بالنعل. ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص395.
(4) لوريمر: دليل الخليج، 1/ 531، نقلا عن نهضة: ص239. وينظر: لاندن: عمان، ص428.