السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٢كم قد (1) أضرَّ بنفسه ليكون لي واقٍ ونافع
كم حرمت عيناه طعـ ـم الغمض والمغرور هاجع
قد كان بالأولاد بَرًّا شاكرًا لو كنتُ (2) قاطع» (3)
وَهَذِهِ الأبيات تصوِّر لنا بوضوح شَخصِيَّة الوالد ومناقبه، وموقف الابن منه ومنها. وغاية ما في الأمر أَنَّ البيت الأخير من المقطوعة ــ عند قوله: «لو كنت قاطع» ــ يبدي السالمي تأسُّفه عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا قصَّر في حقِّ والده الذي تحمَّل من أجل تربيته وتنشئته الشدائد العظيمة؛ ولا يعني أبدا أَنَّ هناك قطيعة بين الولد وأبيه، بل شأنه في ذَلِكَ شأن المسلم المتواضع، الذي يصبو إِلىَ الكمال، ويشعر بالتقصير في كُلِّ حال.
وفي الأبيات المذكورة يشير السالمي إِلىَ صبر والده أمام الشدائد، الأمر الذي يدفعنا إِلىَ التساؤل: ما نوع الشدائد التي أصيب بها؟
من الشدائد التي ابتلي بها والده أَنَّهُ كان غنيًّا غنى فاحشا، وكانت أغلب أموال وأملاك السوالم في يد الخضور يعملون فيها، وعند قيام الصراع بين الهناويَّة والغافريَّة (4) انحازت السوالم إِلىَ الغافريَّة، والخضور إِلىَ الهناويَّة، فَلَمَّا سيطر الهناويَّة عَلَى بلدة الحوقين، بإعانة الخضور ضِدَّ السوالم، فرَّ هَؤُلاَءِ إِلىَ الخبَّة ومنها إِلىَ الرستاق (5)، وَذَلِكَ في العقد الأَوَّل من القرن الرابع عشر
(1) في عين المصالح: «وَلَكَمْ أضرَّ».
(2) في عين المصالح: «لو أنا».
(3) ديوان السالمي، (مخ)، ص14. أبو الوليد: عين المصالح، ص66.
(4) ينظر: ص 65 من البحث.
يرى العزري أَنَّ سكوت أبي بشير عن ذكر الفتنة ــ التي كانت السبب في رحيل الأسرة إِلىَ الرستاق ــ دَلِيل عَلَى أَنَّهَا لم تَصِحَّ عنده، وَلَكِنَّ السكوت لا يكون أبدا دَلِيلا عَلَى إثبات شَيْء، ما لم يُصَرِّح بعدم صِحَّة الرواية، وَهُوَ ما لم يفعله، بل نقول: إِنَّمَا أغفلها لأَنَّهُ لم يَرَ فائدة في ذكرها في سياق ترجمته لوالده، وَإِنَّمَا ذكرها في غير ذَلِكَ الموضع. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص82. العزري: فكر السالمي، ص89 ــ 90.
(5) يناقش العزري الروايات الواردة حول انتقال الأسرة من الحوقين إِلىَ الرستاق، ويرى أَنَّ بينها تضاربا، وليس الأمر كَذَلِكَ، فغاية ما فيها أَنَّ بَعْضًا منها تذكر ما لا تذكره الأخرى، فَهَذِهِ تذكر انتقال الأسرة إِلىَ الرستاق مباشرة، ولا تشير إِلىَ نزولها بالخبة، لأَنَّهَا فترة قصيرة، وليس فيها من الأَهَمِّيَّة ما يستَحقُّ الذكر، بينما الروايات الأخرى تفصِّل ولا تغفل تلك الفترة. وَهَذَا لا يُسَمَّى تضاربا، بل تكاملا. ألا ترى إِلىَ القصص القرآني حين يقصُّ الله تَعَالىَ قصص الأنبياء فيذكر في بَعض السور ما لا يذكره في الأخرى، أنسمِّي هَذَا تضاربا؟! حاش لله، وتَعَالىَ كلامه عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا.
ولَكِن نوافق العزري عَلَى أَنَّ التناقض في تلك الروايات إِنَّمَا هو في الدوافع وراء الانتقال من الحوقين، هل هي اجتِمَاعِيَّة، أم عِلمِيَّة محضة؟ هَذَا ما سنتعرض له لاحقا في ذكر رحلات السالمي.