ترجمة ابن خلفون المزاتي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٠وَهَذَا المنهج المقارِن ـ باعتبار البيئة الزمانيَّة والمكانيَّة للشيخ ابن خلفون ـ يعتبر سبقا في التراث الفقهيِّ الإِبَاضِيِّ المغربيِّ، وهو وإن لم يكن أَوَّل من كتب بهذا المنهج بين علماء الأُمَّة، وَلَكِنَّهُ أَوَّل من أرسى قواعده بين إِبَاضِيَّة المغرب، إذ كُلُّ من ألَّف قبله من إِبَاضِيَّة المغرب في الفقه ـ فيما نعلم ـ كان يَهْتَمُّ بإيراد أحكام المذهب وأئمَّته، ولا يلتفت إِلىَ غيرهم(1) . وَذَلِكَ ما لم تكن تقبله بعض الذهنيَّات آنذاك بسهولة، وقد أشار إِلىَ هَذَا بقوله: «ونحن في هَذَا [المنهج] مسبوقون غير سابقين، ومتَّبعون غير مبتدعين»(2) ، وَكَأَنَّهُ بهذا الكلام ـ عند تأكيده بِأَنَّهُ متَّبع غير مبتدع ـ يُلمِحُ إلى ما لاقاه من جفاء بسبب اعتماده هَذِهِ الطريقة الموضوعيَّة.
لقد رسم ابن خلفون منهجا متميِّزا للتحقيق العلميِّ، في التراث الفقهيِّ لإباضيَّة المغرب في القرن السادس الهجريِّ، عند تناوله للقضايا الفِقْهِيَّة المختلف فيها، وتعدُّ أجوبته نموذجا رائعا في الفقه المقارن بين المذاهب، وفي التحلِّي بأدب الخلاف، والحوار الهادئ والرصين، وهو المنهج الذي نما وتطوَّر عبر العصور، وبدت معالمه واضحة في العصر الحديث، بصفة خَاصَّة لدى القطب امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، من المغاربة، ولدى الشيخ نور الدين السالمي، من المشارقة.
بالإضافة إلى المنهج العلميِّ الذي اتَّبَعَه الشيخ ابن خلفون، فقد تعرَّض إِلىَ بعض القضايا التي لا تزال مثار جدل بين الفقهاء والمشرِّعين، ومن أبرزها: قَضِيَّة الزواج بغير وليٍّ، فكتابه يعتبر من أهمِّ مصادر الإِبَاضِيَّة في الموضوع، نرجو من المشرِّع الجزَائِريِّ أن يأخذه بعين الاعتبار.