زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ١٠١وقد حرصت على استجماع ما في كلاهما من الفوائد ، مع أني أرى رأي من يخير بين إخراج خمس بنات لبون أو إخراج أربع حقاق ، فيما إذا انقسم الحساب على الصنفين كالمائتين ، كما هو ظاهر حديثي أنس وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وما ذكره الشافعي وأصحابه وإن كان مما يدخل في باب الاحتياط ـ وهو باب واسع ـ إلا أنه يفتقر إلى الدليل الشرعي ، حتى يمكن أن يرتقي إلى درجة الوجوب ولم أجد عليه دليلا قط ، بل الدليل قائم على عكسه كما ذكرنا ، ولئن كان حديثا الصحابيين الجليلين يدلان بظاهرهما على التخيير ، فإن رواية سالم بن عبدالله المرسلة عند أبي داود هي نص صريح في ذلك ، فقد جاء فيها : " فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السِّنين وجدت أخذت " ، وهي وإن كانت مرسلة – إذ لم يصرح سالم هنا بتلقي هذه الرواية عن والده – فإنها تقوى بكونه قرأها من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال النووي(1) وهو قد كان محفوظا مصونا من أيدي العابثين ، وكان في أيدي آل الخطاب على أن الزكاة كغيرها من العبادات شرعت سهلة ميسرة : (2) ، فما كان ينبغي لأحد أن يتشدد فيما لم يتشدد فيه الشارع الحكيم ، لهذا كله أرى التعويل على الرأي الآخر وهو رأي لبعض الشافعية كما ذكره النووي في المجموع وحكاه العمراني عن أبي العباس ، وذلك أنه جعل الخيار لرب المال فيعطي أي الفرضين شاء إلا أن يكون ناظرا ليتيم فلا يجوز أن يعطى إلا أدونهما ، قال : وحمل النص عليه إذا خير رب المال الساعي(3) .
ولا غرو في تخيير الشارع بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر ، تبرأ بكل واحد منهما الذمة ، كما خير في كفارة اليمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة .
(1) المجموع ( 5 / 415 ) .
(2) سورة البقرة الآية 185
(3) البيان ( 3 / 185 ) .