زكاة الأنعام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

زكاة الأنعام

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

إن من نعم الله على عباده أن سخر لهم هذه الأنعام ، وجعل لهم فيها منافع شتى ، ولئن كانت الإبل فيها من المنافع ما جعلها يضرب المثل بنفاستها ، ويتنافس أهل الثراء في اقتناء خيارها إذ كانت من أعز ما يملكه العرب ، فلحومها وألبانها غذاء ، وفي جلودها شتى المنافع وهي تحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ، وتستخدم في سقي الجنان والزروع ، فإن البقر تليها في المنفعة ، فإن لحومها وألبانها غذاء طيب به قوام الأبدان ، كما أن شحومها وأسمانها غذاء ودهن ، مع ما تقوم به من أعمال الحرث والري بإثارتها الأرض واستخراجها الماء من أعماق الآبار ، وفي جلودها وعظامها وقرونها وأظلافها منافع شتى وهي كالإبل في أحكام الهدي والأضاحي ، لذلك شرعت الزكاة فيها كما شرعت في الإبل لتعميم منفعتها على أولي الفقر والمسغبة ، إذ هي من جنس المال الذي يشترك أصناف الناس في الافتقار إليه ، وهي مما تشح به النفوس وتتطلع إليه رغباتها ، ففي تزكينها تطهير للنفوس من رجس الأثرة والشح ، وتوسيع لدائرة منافعها لئلا تكون محصورة بأيدي طائفة من الناس ينعمون بها ، وجمهورهم يسيل لعابهم إلى خيراتها مع مكابدتهم غصة الفاقة وعنت الحرمان ، وقد نص الحديث على وجوب تزكيتها – ففي حديث أبي هريرة في وعيد مانع الزكاة أنه قيل : يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ قال : ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه آخرها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة(1) ، وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة فيها كسائر الأنعام .

ولئن كانت الزكاة حقا واجبا فيها فإنها لا بد لها من نصاب شرعي يناط وجوب الزكاة ببلوغه كسائر الأموال الزكوية وهذا من لطف الله تعالى بعباده .

(1) رواه مسلم في كتاب الزكاة – باب : إثم مانع الزكاة .

١٠٣ / ٢٨١