زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ١١٩ولا يعترض على هذا القياس بكون الإبل تقدر بضعف البقر في الديات ، فإن في ثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرا ، وإنما كان ذلك اجتهادا من عمر - رضي الله عنه - حسبما وصل إليه نظره في تفاوت الأسعار بين الجنسين آنذاك ، على أنه لو ثبت ذلك مرفوعا لم يكن قادحا في صحة قياسنا لأن الدية داخلة في المعاوضات ، إذ هي حق بشري محض ، ولذلك يجوز إسقاطها كسائر الحقوق ممن هو أولى بها ، بينما الزكاة أمر تعبدي محض فهي أولى أن تحمل على الأمور التعبدية التي لا دخل فيها للمعاوضات بين الناس ، ولا يحق لأحد إسقاطها كالهدي والأضاحي .
ومما يستأنس به لتقوية هذا القياس ما ذكرناه من ذكر الإبل والبقر مقترنين في الكتاب والسنة ، ودلالة الاقتران – وإن ضعفها كثير من الأصوليين ولا نراها وحدها حجة يعول عليها – يمكن للمجتهد أن يأخذ بها في باب الاستئناس لترجيح رأي على آخر ، أو تقوية دليل على غيره مع ضمها إلى حجة أخرى .
وأما الأثر فإن الروايات الدالة عليه ـ وإن أعلت بالإرسال ـ تقوى بكون مضمونها حواه كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصدقات ، ومن المعلوم أن الثقة من التابعين لا يعزو كتابا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتضمن حكما شرعيا إلا مع طمأنينته إلى كونه ثابتا عنه .
والكتابة وثيقة علمية يعول عليها الناس في شئونهم الخاصة والعامة ، ولم يعد عندهم ريب في الأخذ بها ، قال العلامة السيد محمد رشيد رضا : " والكتابة حجة علمية كما قال العلامة العضد ، وعليه جميع شعوب العلم والمدنية في هذا العصر ، لا حجة عندهم أقوى من حجة الكتابة الرسمية "(1) .
(1) تفسير المنار ( 1 / 48 ) دار المعرفة الطبعة الثانية .