زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ١٥٧وهو بهذا يوافق القائلين بالتخيير كما هو مذهب الحنابلة ، وبه قال الطوسي من الإمامية(1) : " وأرى أن هذا القول هو أقوى حجة وأوضح محجة ، فإن تقييد إطلاق النصوص الشرعية يتوقف على دليل شرعي ، وأين الدليل المقيد لإطلاق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في أربعين من الغنم شاة ، مع صدق الغنم على المعز والضأن بلا خلاف بين الأمة ، وصدق الشاة على كل فرد من أفراد الصنفين ؟ فتقييد ذلك باعتبار الكثرة والقلة أو بفرض الأخذ من كلا الصنفين في حال التساوي تقييد غير مبني على دليل شرعي ، وإنما هو مجرد استحسان ، والاستحسان لا يعارض الدليل النصي ولا يقيد إطلاقه ، وإن مما اتفق عليه الأصوليون أن العام غير المخصص ، وأن المطلق غير المقيد يجري كل منهما في مجراه ، فالعام على عمومه والمطلق على إطلاقه ، فليت شعري كيف ساغ لهم تقييد إطلاق الحديث ، على أن التفاوت بين قيمتي المعز والضأن مراعى في الأحاديث ، فقد سبق بيان أن الراجح بالسنة اشتراط أن يكون المخرج في الزكاة من الضأن جذعا ، ومن المعز ثنيا ، وهو كاف لمراعاة ما عسى أن يكون من التفاوت بين شاة الضأن وشاة المعز ، وأرى مثل ذلك في أصناف الإبل والبقر ، على أن مراعاة الوسط واجبة على الساعي ، كما أن السخاء بالأفضل والأحب إلى النفس أجمل بحال رب المال ، لقوله تعالى : (2) ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان ، من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله ، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام " … الحديث(3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن أعطى أكثر مما يجب عليه : " ذاك الذي عليك وإن تطوعت بخير قبلناه منك وآجرك الله فيه "، وقد سبق .
(1) المبسوط للطوسي ( 1 / 200 ) .
(2) سورة آل عمران الآية 92 .
(3) تقدم تخريجه .