زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ١٧٠…الزكاة فريضة محتومة كسائر فرائض الله على عباده ، ويتنازعها جانبان : جانب تعبدي وهو حق الله على عباده ، وجانب اجتماعي تكافلي ، وهو حق الأمة بعضها على بعض . فباعتبار الجانب الأول تكون الزكاة كالصلاة والصيام والحج في وجوب عدم الخروج عن حدودها المرسومة ، والجانب الثاني فيه مراعاة لما يترتب عليها من المصالح الفردية والاجتماعية ، كسد حاجات المعوزين وانتشالهم من هوة الفقر ، وعونهم على النهوض بالأعباء المادية في الحياة ، مع ما يتبع ذلك من تربية الضمير وإيقاظ مشاعر الرحمة ، وتعويد النفوس على الميل إلى البر والإحسان ، وانتزاع ما عسى أن يكون فيها من الشح وحب الاستئثار ، هذا في جانب ذوي اليسار .
وأما الجانب الآخر وهم الفقراء ، فإنهم بجانب انتفاعهم ماديا بهذه الزكاة ، تكون لها آثار إيجابية في تحويل نفوسهم إلى مشاعر تختلف عن مشاعرها التي تعتمل بين جنباتها لولا هذه الزكاة ، فإنهم مع شعورهم بالحرمان تتأجج فيهم مشاعر الكراهية والأحقاد ، تجاه الأغنياء الذين يعيشون في الترف والبذخ ولا يبالون بما عليه البؤساء المحرومون من نكد العيش ولأواء الفاقة والمعاناة من الحرمان ، فبقدر سد حاجاتهم ودفع خصاصتهم تحل المودة محل الشنآن وحب الخير محل الحسد ، والوفاق محل الشقاق ، فلا يكون بين الجانبين إلا التراحم والتلاحم .
وبناء على مراعاة هذين الجانبين وترجيح أحدهما على الآخر ، اختلف العلماء في جواز إخراج القيمة بدلا من إخراج الأصل الواجب في الزكاة ، سواء في ذلك الماشية وغيرها : فمن رجح الجانب التعبدي منع ذلك لما فيه من التبديل ، إذ العبادات توقيفية لا يسوغ تجاوز شيء من حدودها وتغيير شيء مما شرع فيها ، بخلاف من راعى الجانب المصلحي .