زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ١٨٧والجواب : أنه وإن كان من حيث الظاهر موقوفا عليه ، إلا أن كون ذلك في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما كان يأخذ من ثياب من أهل اليمن عن الذرة والشعير يبعث به إليه صلوات الله وسلامه عليه بالمدينة يقتضي بطبيعة الحال معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بشأنه ، وإقراره له حجة لا مناص عن قبولها مع ثبوتها ، على أن قول الصحابي كنا نؤمر أو كنا ننهى له حكم الرفع عند علماء الحديث ولو لم يصرح بالآمر أو الناهي ، فما بالك بمثل هذا ؟ وإنما بقي الإشكال في الانقطاع بين طاوس راوي الأثر عن معاذ وبينه ، وهو وإن قيل بأنه محلول بسبب ما كان من اطلاع طاوس على أحوال معاذ ، فإن الانقطاع معلوم ، وما ذكروه لا يعدو أن يكون ظنا واليقين لا يقاوم بالظنون ، فالضعف في الدليل قائم ، إلا أنه يمكن أن يقال بأن هذا الضعف ينجبر بالنظر الى مقصد الشارع ، من مشروعية الزكاة فهي مشروعة لما ذكرناه من تطهير النفس من الشح المذموم ، وتحريرها من ربقة العبودية للطمع ، وإرهاف حسها وترقيق مشاعرها تجاه ذوي الحاجات ، بتعويدها السخاء والبذل والسمو بها عن حضيض حب العاجلة ونسيان الدار الآخرة ، مع ما فيها من سد حاجات المعوزين ، وما يكون في نفوسهم من هواجس الشعور بالحرمان عندما يكابدون غصة الفقر ، ولا يجدون من يأخذ بضبعهم ، ويعينهم على لأواء الحياة وشظف العيش ، وما يتبع ذلك من ثمرات يعم نفعها المجتمع بشقيه الغني والفقير ، أهمها الربط بين الجانبين بوشيجة التلاحم والتراحم ، حتى تتوحد الأحاسيس والمشاعر بينهما ، فيصدق عليهما وصف الله تعالى للمؤمنين حيث قال : (1) ، ووصف النبي - صلى الله عليه وسلم - للمجتمع المؤمن بقوله " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "(2) وهذا كله يتحقق
(1) سورة الحجرات الآية 10 .
(2) صحيح البخاري ، باب رقمه الناس والبهائم حديث رقم 5665 .