زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ١٩٧أما استدلال أصحاب القولين الآخرين بأحاديث النصاب في الماشية فهو استدلال بإجمال جاء بيانه بخلاف ما يقتضيه استدلالهم ، فإن أي دليل منها لم ينص على وجوب أن يكون النصاب ملكا لواحد ، وإنما العبرة باجتماع النصاب سواء كان ملكا لواحد أو أكثر ، ودليله النهي عن الجمع بين المفترق والتفريق بين المجتمع ، وأن الخليطين يترادان بينهما على السواء ، على أنه يبعد كل البعد أن يكون للجمع بين ثلاثة أملاك بلغ كل منها نصابا تأثير حتى تكون كملك الواحد فلا يجب فيها إلا ما يجب على الواحد ، بحيث تكون حصة كل أحد منهم ثلث ما لو استقل بنصيبه ، ولا يجب عليهم شيء بسبب اجتماعهم مع أن ما اجتمع من أملاكهم بلغ حد النصاب ، فإن المغنم يجب أن يوازيه المغرم ، فكيف تكون الخلطة سببا لتخفيف الفرض عنهم ، ولا تكون سببا لإيجابه عليهم ، مع أن حكمة الشارع في جعل المالين أو الأموال كالمال الواحد بسبب الخلطة ما ينتج عنها من خفة المؤنة وقلة التكاليف المادية التي قد تكلف الواحد منهم إذا انفرد بماشيته .
وأما الاستدلال بقوله تعالى : (1) على عدم تأثير الخلطة فهو استدلال عجيب إذ ليست الآية من هذا الأمر في قبيل ولا دبير ، وإنما غاية ما تدل عليه أن كل نفس تتحمل تبعات كسبها ، ولا تحاسب إلا بما قارفته دون ما قارفته نفس أخرى ، وأين هذا مما نحن بصدده من أحكام الزكاة وتأثير الخلطة فيها ؟ فليت قائله أمعن في الآية نظره ، قبل أن يطلق ليراعه العنان إلى ان هوى به في هذه المتاهات السحيقة .
(1) سورة الأنعام الآية 164 .