زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ٢٣وأرى ضرورة التفرقة بين أن يكون قاصدا الفرار أو لا ، فإن قاصد الفرار هارب من الحق محتال على الله تعالى ، ساع إلى هدم دينه بإسقاط فرائضه وتعطيل حكمه من مشروعيتها ، ومن المعلوم أن إرخاء العنان لهؤلاء يؤدي إلى ميل ذوي الشح من الأغنياء إلى التحايل على إسقاط حقوق الله وحقوق عباده في أموالهم ، وذلك مخالف لمقصد الشرع ومناف للحكمة الربانية التي شرعت من أجلها الزكاة ، وهي تطهير النفس من أرجاس الشح وتحريرها من أغلال شهوة المال الجامحة وتفجير مشاعر الرحمة بين جنباتها حتى تفيض بالإحسان إلى ذوي الحاجات ، وردم الهوة بين طبقتي الأغنياء والفقراء وانتزاع ما عسى أن يكون في نفوس الفقراء من الموجدة والحقد على الأغنياء بسبب الحرمان .
هذا ، وأما بيع الماشية بالنقد مع ابتياع مثلها به في أثناء الحول ، فالجمهور أنه ينقطع به الحول إذ ليس الابتياع بالثمن كالمعاوضة بجنس الماشية ، و ذهبت الحنابلة إلى أنه إن قصد به الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط به كما لو أتلف من النصاب جزءا ليسقط النصاب لم تسقط وتؤخذ منه في آخر الحول ، وعزا صاحب الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة المقدسي ذلك إلى مالك والأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق وأبي عبيد(1) ، غير أن المرداوي حكى عن أبي يعلى الصغير في مفرداته عن بعض الحنابلة أن الزكاة تسقط بالتحايل وفقا لأبي حنيفة والشافعي ، قال المرداوي : " وقواعد المذهب وأصوله تأبى ذلك "(2) . قال ابن قدامة المقدسي ولنا قوله عز وجل : (3)، فعاقبهم الله بذلك لفرارهم من الصدقة ، ولأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط ، كما لو طلق امرأته في مرض موته ، ولأنه لما قصد قصدا فاسدا اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده ، كمن قتل موروثه لاستعجال ميراثه عاقبه
(1) الشرح الكبير ( 2 / 461 ) .
(2) الإنصاف للمرداوي ( 3 / 30 ) .
(3) سورة القلم الآيات 17 – 20 .