زكاة الأنعام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

زكاة الأنعام

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

ثانيها : أن دلالته على وجوب الزكاة في غير فرس الغازي إنما هي بمفهوم المخالفة والمفهوم لا يعارض المنطوق لأنه أقوى منه حجة هذا إن تساويا متنا فكيف إذا كان المنطوق حديثا ثابتا عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وكان المفهوم موقوفا على أحد الصحابة مع عدم جواز معارضة المرفوع بالموقوف ؟! والحنفية المحتجون بهذا المفهوم هنا من أصولهم أن مفهوم المخالفة ليس حجة أصلا ولو كان مفهوم آية من كتاب الله أو حديث ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف يحتجون بمفهوم قول صحابي عارضه منطوق من السنة الثابتة ؟

ثالثها : أن الموجبين للزكاة في الخيل لا يلتزمون العمل بهذا المفهوم فإنهم لا يوجبون الزكاة في الفرس المخصص لركوب الإنسان في قضاء سائر حوائجه التي لا تدخل في الغزو كطلب

العلم وصلة ذوي القربى وزيارة الأصدقاء وعيادة المرضى وتفقد المصالح وغير ذلك ، فكيف يلتزم العمل بدلالة المفهوم في أمر دون نظيره مع كونهما تتناولهما تلك الدلالة تناولا واحدا ؟!

وأما ما اعترض به على حديث : " عفوت لكم عن زكاة الخيل … إلخ " من أنه كان إجراء سياسيا موقوتا ولم يكن أمرا تشريعيا ثابتا ، فهو مدفوع بما ثبت من الروايات الأخرى القاضية بخلاف هذا التأويل والأدلة الشرعية يجب أن يؤخذ بها جميعا فلا يتأول أحدها بما لا يتفق مع دلالة غيره على أن أمور العبادات من الأمور الثوابت ، فلا تحمل على النظرات السياسية المتبدلة

لأنها قائمة على تجريد عبودية الإنسان لخالقه سبحانه وتعالى ، والزكاة وإن كانت ذات بعد اجتماعي إلا أنها عبادة كالصلاة والصيام والحج لا تخضع للظروف السياسية ، ولذلك كانت مقاديرها ونصبها ثابتة بالنص الشرعي لم توكل إلى اجتهاد الحكام والنظر في تحولات الأحوال من الغلاء والرخص في الأسعار وتقلبات السياسة باختلاف الظروف والملابسات البيئية والاجتماعية .

٢٥٥ / ٢٨١