زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧وأما الاحتجاج لوجوبها بقوله تعالى : (1) فهو احتجاج بمجمل وقد جاءت السنة ببيانه ، وفيها ما هو خلاف ما ذهبوا إليه على أنه لو أخذ بعمومه لكانت الصدقة واجبة في كل مال ، وعليه فتجب في الحمير وهم بأنفسهم نصوا بأنه لا صدقة فيها كما يقتضي ذلك وجوبها في الطيور والدواجن كالبط والأوز والدجاج والحمام ، وهم لا يقولون بذلك .
وكذلك استدلالهم بحديث " لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها " فإن الحق هنا مجمل وهو يحتمل الكثير من الاحتمالات . وبما أن الخيل مئنة للقوة ومعقل للعز فإن المتبادر أن يكون هذا الحق من جنس منفعتها ، وذلك بأن يهيئها لنصرة الحق متى اقتضى ذلك الأمر ، فيغيث بها الملهوف وينصر بها المظلوم ويعين بها الضعيف ، وذلك كله مما يدخل في ضمن الواجبات الدينية فلا يعترض عليه بأنه من المندوب ، والمندوب لا يرقى إلى أن يسمى حقا كما قيل ، ومثل ذلك تسخيرها للجهاد إن تعين عليه فإنها من جملة المال والجهاد بالمال كالجهاد بالنفس كلاهما يطالب به المسلم وهما سبب لنجاته من العذاب وفوزه بنعيم الثواب قال تعالى : (2) .
وأنتم ترون كيف جعل الجهاد بالمال هنا قرين الجهاد بالنفس وجعلهما قرينين للإيمان بالله ورسوله ولا يتبادر فيها غير هذا الحق ، إذ لو كان حق الله في رقابها الزكاة لما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسقطها أو يعفو عنها .
وبما أن هذا الاستدلال بمجمل ، فالمجمل لا يقوى على معارضة المبين ، وقد بينت الروايات المذكورة من قبل أنه لا زكاة فيها والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال ولو مع عدم المعارض .
(1) سورة التوبة الآية 103.
(2) سورة الصف الآيتان 10 و 11 .