زكاة الأنعام
الجزء ١ · صفحة ٢٦١ثالثها : أن الذهب لم تأت فيه شبهة دليل قط على أنه لا زكاة فيه بل ما قال أحد بهذا القول من الأمة علمائها وجهالها فضلا عن وجود دليل يستند إليه دال على ذلك بخلاف الخيل فإن أدلة عدم وجوب الزكاة فيها ظاهرة شاهرة ولذلك عول عليها جمهور الأمة فلا تسوغ المقارنة بينهما .
وأما من ناحية النظر فإن الله أوجب الزكاة في المال إجمالا وجاءت السنة ببيان ذلك ففرضت الزكاة في كل مال لا يستغني عن منفعته الغني ولا الفقير لأنه إما أن يكون من ضروريات الحياة أو من حاجياتها فالحبوب المنصوص على الزكاة فيها يعتمد الناس عليها في معايشهم سواء كانوا من جنس الأغنياء أو الفقراء ولا تختلف حاجة الفقير إليها عن حاجة الغني ومثله الأنعام فإن التغذي بلحومها وألبانها مما يحتاج إليه الكل وكذلك الانتفاع بأدهانها وجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وهكذا النقدان تتوقف مصالح الناس عليهما في معاملاتهم وقضاء حاجاتهم ، فالفقير يسيل لعابه من أجلهما ولا يوجد مثل هذه الحاجة في الخيل والأحجار الكريمة وغيرها إذ هي من كماليات الحياة وتعد من جنس التحسينيات وبإمكان عامة الناس ودهمائهم الاستغناء عنها فلذلك لم تعط أحكام الأموال الزكوية على أن الفقير لا يغص بالحقد والكراهية إن وجد عند الغني ما لا تدعو إليه حاجته ولم يسخ عليه بشيء منه بخلاف ما إن كان ضانا عليه بما تتوقف عليه حاجته وضرورته وبهذا يتبين أن قياس الخيل على الإبل أو قياس الحمر على البقر إنما هو كقياس الضب على النون والبرد على الشهاب .
هذا وزكاة الخيل عند من يقول بها ليست من سنن الزكاة في شيء فهي :
أولا : لا تخرج من نفس جنس المزكى بل من جنس آخر بخلاف بهيمة الأنعام والحبوب والنقدين .
ثانيا : أنهم لم يحددوا لها نصابا من نفسها ، والذين حددوا ذلك اختلفوا اختلافا كثيرا كما سيأتي إن شاء الله .