ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
الجزء ١ · صفحة ٢٦و هي من جهة أخرى على عكس ذلك ، إذا قام بينها ناصح ينصحها انفضت من حوله و تركته قائما ، و إذا دعاها إلى الإصلاح داع ثنت عنه صدرها و استغشت هروبا من دعوته ثيابها ، و إذا صاح في وجه الباطل صيحة ملأت حوله جلبة و ضوضاء ، ثم إنه إن انتصر و كان له فتح من الله ، طارت فخرا و طربا ، و قالت لو لا نحن لما حصل شيء ، و إن انخذل و سقط في ميدان الشرف ، انزوت في المغاور والكهوف متبرئة من صنيعه خشية أن تلحقها مسؤولية ما من عمله المبرور ، فتسقط من عين مرهقها و مسخرها .
و إذا كتب لها ما فيه عزها و حياتها ، فإنه لا تقرأه و لا تعرف ما فيه لأنها لا تعرف القراءة و الكتابة و إذا قرئ عليها لا تفهمه ،و إذا أمكن أن تفهمه أساءت هضمه و تلك طبيعة الأمية و مقتضياتها ، فهي تغلق عن الأمة الجاهلة منافذ الحياة كلها المادية منها و الأدبية ، و لهذا احتار النطاسيون في خطورتها و واصلوا العمل و التفكير في البحث عن معالجتها و مقاومة جراثيمها و تفننوا في الوسائل و الطرق لذلك أرصدت لهم حكوماتهم في ميزانياتها الملايين و المليارات لتنفيذ ما يرون فيه من الوقاية الكافية و الدواء الشافي منها ألا وهو نشر العلم و تعميم التعليم بين الطبقات . نعم هذا للأمم التي لها رجال يسهرون على مصالحها و حكومة يهمها أمرها و شأنها و لكن من ذا الذي للأمم الضعيفة المسكينة التي حرمت أمثال أولئك الرجال العاملين و بليت بمصائب من الرجال هم في الواقع ويل عليها و وبال على كيانها .
يجب على كل فرد من أفراد هذه الأمم و الحالة هذه أن يجعل نصب عينيه أنه لا وجود و لا بقاء و لا حياة و لا عز و لا سعادة له و لأمته إلا بإزاحة غشاوة الأمية عن بصائر الأمة و رفع كابوس الجهل عنها و أن يجعل من الضروريات اللازمة له كالأكل و الشرب مسألة العلم والتعليم.